عالم عباس : الموهبة وحدها لا تصنع شعرا

عالم عباس محمد نور أحد أبرز شعراء السودان المعاصرين ، وله إصدارات شعرية عديدة آخرها (أوراق سرية من وقائع ما بعد حرب البسوس ). يري النقاد أن عالم عباس من الأصوات الشعرية المميزة التي أضافت للقصيدة العربية ، وهو يحسب من الشعراء أصحاب الفتوحات الشعرية في المعني والجوهر .

حوار : محمد نجيب محمد علي


} كيف يكتب عالم القصيدة ؟ هل يقوم بكتابتها ثم يقوم بصناعتها ثانيا ، بمعني الموهبة ثم الصناعة في إخراج الشعر الجيد ؟
< صناعة الشعر ، أعجبتني هذه العبارة ، لأن الشعر أساسا صناعة ، الشعر أدوات ، الشعر معرفة ، الشعر علم ، كل هذا .. الموهبة وحدها لا تصنع شعرا ، والصناعة وحدها لا تصنع شعرا أيضا ، لكي تصنع شعرا لا بد أن تكون لديك الموهبة ولديك الأدوات في تحويل هذه الموهبة لقدرات ، وهذا شأن أسميه من القضايا الأبجدية التي ينبغي أن تكون موجودة ، وفيما يتعلق بي فهو شأن كل شاعر ، تأتي الأفكار وتأتي الصنعة ودائما أكتب ما يتردد في نفسي وأعالج ذلك بالصبر والتنقيح وإن شئت فالدربة والمهارة!.
} هل يمكن لعالم أن يحدثنا عن تطور مراحل تجربته الشعرية ؟
< لا أستطيع ، هذا شأن النقاد ، الإنسان يتغير بتغير الزمن ، قديما كنت أكتب كثيرا جدا ، الآن صرت أكتب قليلا .. أحيانا يأتيني فيض من الشعر فأظل في حالة شعرية طويلة ، الآن يحدث لي بيات وتكلس وضمور شعري إن شئت ، شأن أحوال المرء في حياته المختلفة ، لكن عموما المناخ السائد لا يساعد علي الشعر، انشغلنا بإطعام الأهل والعيال، والبحث عن وسيلة تطعمنا الخبز لجور المؤسسات وفقرها،كان الشعر الذي كان قضية، قد آل إلى ترف! الآن صارت هذه هي ( الشماعات ) التي تعودنا أن نعلق عليها إخفاقاتنا
} كيف يقرأ عالم المشهد والواقع الثقافي في السودان الآن ؟
< بصراحة أنا جد حزين للواقع الثقافي ، ولنسأل أنفسنا من أين تأتي الثقافة ؟ تأتي الثقافة من التعليم أولا ، والتردي الحادث الآن في التعليم غير مسبوق ، وغير مواكب لما يجري في العالم ، في الماضي كنا نعرف الوطن أكثر مما يعرفه أبناؤنا اليوم ، نعرف تاريخنا أكثر ، الآن نحن لا نعرف من نحن ؟ نحارب بعضنا، الوطن إنفصل وهناك أجزاء أخري مرشحة للانفصال بتشجيع أو بتحريض منا، وما بقي منه مريض، يعاني ومنشغل بذاته .. هذا واقع ثقافي مؤسف جدا .. هل هذا هو الوضع الذي يجب أن تكون عليه الإمور ؟ الحل هو أن نتجه للتعليم ونقوم بإصلاحه من الروضة …. وللأسف نحن نعمل بلغة ( الترقيع ) ..ولقد اتسع الفتق على الراتق! أنا لست متفائلا بما يجري
} كيف ينظر عالم إلي التحولات التي تحدث في العالم العربي وما أثرها علي الكتابة ؟
< هذه تحولات الناس الذين تركوا أمرهم في يد غيرهم ، وسببها غياب الديمقراطية في االعالم العربي .. نحن الان في مخاض ما بين الموت والحياة ومن الطبيعي أن تقود هذه التحولات إلي أبداع جديد يتشكل، آمل ان يكون خيراً ، والسلطة كما هو معروف وممارس عندنا هي ملك عضوض ومغرٍ وهي تفسد صاحبها ويفسد فيها صاحبها وهذه التحولات تحدث حين تعزل الشعوب عن قيادتها أو عندما تكون القيادة غير نابعة منها ..
} وكانت لك علاقة مميزة مع الشاعر الراحل النور عثمان أبكر.. هلا حدثتنا ؟
< حين كنت طالبا في السنة الثانية بجامعة أمدرمان الإسلامية كان النور يعمل محررا ثقافيا بجريدة الأيام ، أذكر أنني كتبت قصيدة أخذها زميلنا محي الدين تيتاوي، عندما كان طالباً في سنته النهائية بشعبة الصحافة والإعلام، بالجامعة، وكان يتدرب في جريدة الأيام،أخذها وذهب بها للنور ، كان إسم القصيدة ( السقوط مرتين ) نشرها النور بعد مرور ثلاثة أيام، ولك أن تتخيل مقدار فرحي آنذاك وقد فوجئت بها منشورة في صحيفة الأيام !
كنت أوقع قصائدي عالم عباس (إبن بطوطة ) فقال لي النور بعدئذٍ، أنت لا تحتاج للقب، أسس لإسمك ، والواقع أني كنت إستعرت هذا اللقب من أبي لأن أصحابه كانوا يلقبونه ب ( بطوطة )، فأضفت إليه كلمة ابن، واشتهرت بهذا اللقب في الجامعة حيث كنت أصدر إبانها صحيفتي الحائطية الأسبوعية واسمها (الرفض)!
والنور شفاف جدا ويمتلك تراثاً كبيراً من المعرفة ومترجم من الطراز الأول وأستاذ لغة وناقد حصيف
} وماذا عن مصطفي سند ؟
< كنا نحفظ شعره ونحن بعد في الثانوي بدءا من البحر القديم وكنا نفرح كثيرا بالنبرة الموسيقية العالية في شعره ، وما أزال أطرب لشعره حتي الآن طرباً ما بعده طرب ،
} وماذا عن فضيلي جماع .. الذي يقول أنني وعالم توأمين ؟
< فضيلي شاعر مجيد ومظلوم ، الناس لا يدركون قيمته إلي الآن ، هو من أعظم الشعراء الموجودين في الساحة ، هو ومحمد المكي ابراهيم ، فضيلي يمتاز بقدرات كبيرة جدا ، فضيلي الشاعر يستطيع أن ينتقل من الشعر إلي المسرح ، وله مسرحيات ممتازة ، وينتقل من المسرح إلي النقد ، له فتوحات نقدية عظيمة جدا نشر بعضاً منها في كتاب منشور يعد مرجعاً في حد ذاته. وهو مترجم متخصص ممتاز ، فضيلي يعيش الشعر ، الشعر جزء من سلوكه هو شخصية نادرة له قدرة الإحتفاظ ببراءة طفولته