شخصية الإمام المهدي كما تناولها المعاصرون

بقلم :  عبدالرحمن إبراهيم الحلو

هذه محاولة لإيراد أراء بعض المؤرخين السودانيين المعاصرين عن شخصية الإمام المهدي. ورد في كتاب (كرري) للمغفور له الرائد/ عصمت زلفو عند استعراضه لتكوين شخصية الإمام المهدي: «أجمع جميع من أرخوا لسيرة المهدي على أنه أمضى أغلب السنوات التي سبقت مجاهرته بدعوته ومنذ صباه الباكر في المطالعة والقراءة والتحصيل والتثقيف لا تقطعها إلا خلوات طويلة يقضيها متأملاً متفكراً…وتلك الفترة الطويلة التي أمضاها المهدي قارئاً متأملاً هي التي أسهمت إسهاماً أكبر في تكوين شخصيته، فقراراته وتخطيطه وحتى خطاباته ذات الأسلوب المترف تكشف عن عقلية صقلت وتشربت المعرفة الغزيرة…وإذا أضفنا إلى ذلك الذكاء الطبيعي الوقاد برزت مواصفات تلك العقلية الإستراتيجية الفريدة.
وتلك المعرفة الأصيلة وجدت من يكملها من الناحية العملية والتكتيكية عند انضمام قادته المشهورين وعلى رأسهم خليفته عبالله بن السيد محمد شخصية الثورة الديناميكية.».
أما الدكتور محمد إبراهيم أبوسليم عليه رحمة الله والذي يرجع إليه الفضل في توثيق الكثير من تراث المهدية فقد قال: «إن الإمام المهدي أوتي ذهناً وقاداً وفكراً ثاقباً ومقدرة عالية على الكتابة…إنه أوتي ملكة القيادة والبصيرة النيرة فخرج من إطار مجتمعه وسياج عصره وسما بأسلوبه وقد بز أقرانه وتفوق عليهم وأصبح صوته الأعلى إذا خطب وقلمه الأقوى إذا كتب وحكمه الأرجح إذا نظر فهو بغير شك إمام كتاب عصره في السودان.». ويستطرد أبوسليم: «المهدي هو الموجه لمسار الفكر وهو القدوة للكتاب في ما يكتبون ولست أدري في تاريخ السودان من كان له مثل هذا التأثير البالغ في تاريخ الفكر والثقافة.».
ويضع الدكتور حسين مؤنس في تصنيفه للكتاب محمدأحمد المهدي في الصف الأول من كتاب العربية في أواخر القرن الماضي (يقصد التاسع عشر) وأنه يمتاز على كتاب عصره في العالم العربي بحسٍ أدبيٍ واضح.
يذكر أبوسليم أن المهدي يكتب محرراته بأسلوب مباشر لا أثر فيه للتكلف والصناعة وفي كلامه قوة وحرارة تنبعان من إيمانه العميق ويكتب بخطٍ واضح ويعطي كل حرفٍ حقه، فلا يضخم حرفاً ويضعف آخر.
وصف الدكتور محمد سعيد القدال عليه رحمة الله الإمام المهدي في لوحته (الإمام المهدي…لوحة لثائر سوداني) بالعبارات التالية: «هو رمز لإرادة الإنسان السوداني عندما عزم أمره على التوحد للقضاء على الظلم وذلك عندما جمع أشتات القبائل السودانية والفئات الإجتماعية في وقتٍ كان فيه ذلك الجمع أمراً عزيزاً.». وأضاف معلقاً: «كيف استطاع شاب في الخامسة والثلاثين من العمر أن يقيم الأرض على حكمٍ أجنبيٍ بغيض وأن يقود الآلاف في معارك عنيفة ويحمل لواء النصر خفاقاً طوال أربع سنوات.».
أضاف القدال ملامح أخرى لشخصية المهدي في بحثه الذي قدمه للمؤتمر العالمي لتاريخ المهدية المنعقد في الخرطوم أواخر عام 1980م عندما قال: «لعل محمدأحمد بن عبدالله (المهدي) من أبرز زعماء السودان الحديث الذين جمعوا تحت بردهم نشاطاً عملياً ومسلكاً شخصياً قويماً، وفكراً عبر عنه وكتب فيه كثيراً. فقد كان المهدي زعيماً سياسياً استطاع أن يقود أهل السودان في صراعهم ضد الحكم التركي المصري وأن يضع أسساً عامة لتنظيم المجتمع وإدارته. وكان قائداً عسكرياً فذاً تجلت مقدراته في المعارك التي خاضها وتعدد أساليب القتال التي مارسها من حرب العصابات إلى الحصار المنظم إلى تطبيق ما يعرف بالأرض المحروقة. وكان المهدي مفكراً كتب كثيراً في قضايا الثورة وآفاقها في تلك المرحلة. «.
باحث في تاريخ المهدية