تقرير ابوسانجو وسيناريو السلام في الجنوب

الخرطوم :  نيارجي جرميللي رومان
الجدل الذي تسبب فيه تسرب تقرير ابوسانجو عن الأحداث الجارية في جنوب السودان شئ لا يتناطح عليه عنزتان و حتي ندرك صعوبة المرحلة التي نحن مقبلين عليها وخاصة بعد تصريح الناطق الرسمي باسم الخارجية الأثيوبية في أول الشهر الجاري بإعلان تكوين آلية جديدة لإدارة الوساطة بين طرفي الصراع في الجنوب و جاء تصريح الإيقاد معقبة بعد اقل من أسبوع بأنها ستسعي لفرض اتفاق سلام شامل علي الطرفين في فترة أقصاها ال١٨ من ابريل القادم و علي طرفي الصراع قبول تلك الاتفاقية أو التعرض لعقوبات و ذلك بعد فشل كل جولات التفاوض بين الفريقين و التي لم تفضي الي شئ يذكر ، فباستعراض سريع علي جولات المفاوضات بين طرفي الصراع في الجنوب منذ الأول من يناير لعام ٢٠١٤ أي بعد شهر من اندلاع الحرب في الجنوب و التي أخذت صبغة و طابع الصراع الاثني في بدايتها ليصفها البعض بان الصراع الدائر في الجنوب هي صراع ما بين قبيلتي الدينكا و النوير و هو شئ استطاع المعارضة فيما بعد تخطيها بنجاح بتحولها من حركة تخاطب قضية الذين قتلوا في أحداث ١٥ من ديسمبر في جوبا من حيث تكوينها الأولي الي حركة تخاطب قضية الجنوب ككل باستقطاب بقية مكنونات الجنوب و تبني قضاياها ،،، ففي أولي جلسات التفاوض تأزم التفاوض لان د. ريك مشار كان قد سمي مجموعه السجناء السابقين بقيادة باقان أموم كوفده المفاوض و عند خروج مجموعه العشرة بعد الضغوطات التي مارستها الحركة علي الحكومة من خلال منظمة الإيقاد التي تخوض الوساطة بين الفريقين و التي أثمرت بإطلاق سراحهم بعد شطب القضايا التي كانت في مواجهتهم من قبيل وزير العدل الجنوبي رفضت المجموعة المفرجة عنها الانضمام لأي من طرفي الصراع معللة موقفها بعدم اتفاقهم مع الطرفين في استخدام السلاح كوسيلة لحل أزمة الجنوب، موقف ارتأتها المنظمات الدولية و المجتمع الدولي بأنها عين العقل ناسيا أو متناسيا التركيبة السياسية لجنوب السودان حيث الثقل العسكري حي التي تعكس و تزن الثقل السياسي و علي غرار ذلك تم طرح مقترح بإقامة حكومة انتقالية برئاسة محايدة تقصي طرفي الصراع و كان أفراد مجموعة العشرة من ضمن المرشحين بقوة لإدارة الحكومة الانتقالية بالجنوب و لكن سرعان ما تبدد هذا المقترح عندما دفع حكومة جوبا بكرتها الرابح مطالبة المجتمع الدولي بالوقوف خلف سلفاكير كرئيس منتخب مما دفع المجتمع الدولي بالتراجع عن مقترحها الأول الداعم لإقامة حكومة انتقالية محايدة و ذلك لان دول الترويكا و من ضمنها أمريكا ما زالت تلعب دور الدولة الوصي بالحفاظ و تشجيع الأنظمة الديمقراطية في العالم و تغيرها لحكومة منتخبة في الجنوب قد تدخلها في حرج في نفس الوقت طالب فيه وفد تفاوض الحركة بضرورة تحقيق العدالة و التحقيق في أحداث جوبا و الذي اعترضت الحكومة عليها لتظل مبدأ المحاسبة احد العثرات التي لازمت كل جولات التفاوض بين الطرفين حتي انهيار جولة المفاوضات الأخيرة بأديس أبابا في الخامس من الشهر الجاري ،،، لقد حاول العديد من دول المنطقة المساهمة في كسر الجليد بين الطرفين و الجدير بالذكر هنا تجربة تنزانيا في هذا الصدد و بالرغم من أن اتفاقية اروشا و التي سعت من خلالها علي إعادة توحيد فرقاء الحركة بالجنوب علي أساس أن الصراع انفجر داخل قبة الحزب الواحد و من ثم التهمت نيرانها كل الجنوب إلا أن اروشا لم تضع حل نهائي لمشكلة الصراع في الجنوب لكنها وضعت اللبنة الأولى في حل المشكلة و ثبتت علي ضرورة مبدأ المحاسبة كمخاطبة حقيقة لجذور الأزمة في الجنوب و هذا ما نصت إليها بنود اتفاقية اروشا باستبعاد كل من ثبت طورته في الأحداث الجارية و إقصاءه من المشاركة في الحكومة الانتقالية أو الانتخابات فيما بعد ،، و حتي ذلك الوقت لم تكن تقرير ابوسانجو قد رأي النور بعد حيث تم نشر قصاصات لمجموعات حقوقية كمنظمة حقوق الإنسان و بعثه الأمم المتحدة بجنوب السودان تضمنت الفاجعة الإنسانية التي صاحبت أحداث الخامس عشر من ديسمبر و المعارك التي تلتها في كل من ملكال و بور و بانتيو ، تقرير و أن كانت قد حملت بعض الحقائق إلا أن طرفي الصراع اتفقوا علي أنها لا تحمل التفاصيل الكافية لطبيعة الأحداث التي جرت بجنوب السودان حيث اتفقوا علي تقرير ابوسانجو التابعة للاتحاد الأفريقي و أنها التي تعكس عمق الواقع و الحقائق لإحداث جوبا و في الأول من فبراير من العام الجاري و بعد أن أدرك المجتمع الدولي تباعد المسافات بين وفدي التفاوض وأنهم لم يحدثوا أي اختراق خلال كل هذه المدة بدأت المجتمع الدولي المتمثلة في دول الترويكا و الاتحاد الأوروبي و بعض دول الإيقاد و الاتحاد الإفريقي بالاقتناع بضرورة تحقيق العدالة وبمبدأ المحاسبة فكان لزاما عليها التطرق الي تقرير ابوسانجو حتي تخطو العملية التفاوضية خطوة الي الأمام بعد أن استقرت و لم تبارح مكانها قرابة العام من العملية التفاوضية ،،،كل ذلك دفع بالمجتمع الدولي للتلويح بتقرير ابوسانجو و ضرورة نشرها ككرت ضغط علي طرفي الصراع للجلوس و حلحلة المسائل العالقة ظنا منها أن الحقائق المذكورة في التقرير و التي تثبت طورت قيادات نافذة في حكومة جوبا قد تلين من مواقف الطرفين و تجعلها ترضخ للضغوطات ،، خطوة امتصتها المعارضة الجنوبية عندما أصرت هي الاخري بضرورة نشر التقرير و استعدادها علي تقديم المتورطين بطرفها إذا ما ثبت طورتهم للمحاكمة فيما لاذت حكومة جوبا بالصمت و لم تنطق بشئ، حيث أدخلت مطلب الحركة الملح بضرورة نشر تقرير ابوسانجو المجتمع الدولي في حرج ، فما لبثت أن فرغت من عائق الحكومة المنتخبة بجوبا حتي واجهت معضلة العدالة و التي لا تقل هي الاخري عن مسالة الديمقراطية فأمريكا من كبري الدول التي تدافع عن حقوق الإنسان في العالم و لطالما تدخلت في شئون العديد من الدول بحجة حقوق الإنسان تلك لتواجه تحدي حقيقي بسبب مسالة العدالة التي تتطالب بها المعارضة وفي الرابع من مارس من العام الجاري نشر في مواقع التواصل الاجتماعي و الشبكة العنكبوتية تقرير مسرب لأبو سانجو عن إحداث جوبا حيث ورد في صدر التقرير و من خلال إفادات كل من المفتش العام لشرطة الجنوب و قائد أركان الجيش الشعبي أن قواتهم لم تشارك في عمليات تصفية أبناء قبيلة النوير بجوبا ليتركوا عبئ و مسئولية الأحداث في جنوب السودان ليتحملها كير و جنرالات جيشه من قبيلة الدينكا و قائد حرسه الرئاسي و أفراده و مليشياته من قوات مثيانق انيور لذا و في خطوة غير مفاجئة طعن الناطق الرسمي لحكومة جوبا مايكل مكوي في صحة تقرير ابوسانجو بعد أن ثمنت عليها من قبل ، لتبقي عملية المحاسبة العثرة و التحدي الأكبر لمنظمة الإيقاد و آليتها الجديدة المكونة من دول الترويكا من تحقيق السلام في الجنوب و في نفس الوقت المحدد الأساسي لحكم كير ،،، لتبقي عامل فقدان الثقة بين المواطنين و الحكومة من جانب و قوات الحركة و حكومة كير من جانب آخر سيد الموقف و تبقي مسألة الجيشين في دولة الجنوب احدي إفرازات انعدام الثقة بين الفريقين المتصارعين في جنوب السودان . فهل ستسعي الإيقاد من خلال الاتفاق التي تزمع فرضها علي طرفي الصراع في الجنوب علي تحقيق العدالة و المحاسبة علي المتورطين في أحداث جوبا ! ام أنها ستكتفي بإعادة خلط الأوراق ظنا منها أن القضية متمثلة في تقسيم الثروة و السلطة بين فرقاء الجنوب .