بمنتدى دال الثقافي : قراءة لرواية شوق الدرويش

رصد / وفاء طه
قدم منتدى دال الثقافي قراءة لرواية « شوق الدرويش « الرواية التي دخلت ضمن الأعمال المرشحة لجائزة البوكر / مؤلف الرواية الكاتب حمّور زيادة ، وقد صدر له من قبل : سيرة أمدرمانية « مجموعة قصصية ، « الكونج « رواية « النوم عند قدمي الجبل « مجموعة قصصية … قدم القراءة الروائي عيسى الحلو وتداخل معه عدد من الحضور منهم : فيصل محمد صالح ، صلاح سر الختم ، محمد الجيلاني ، مشاعر شريف وغيرهم وكانت رؤاهم متباينة ومتنوعة …
تناول الحلو الرواية من الجانب الفني والجمالي فقال : أفلح الانسان في تحويل الأشياء الى رموز ، ثم حول الحياة كلها الى رمز كبير ، ثم حصل على الفنون فكان الشعر أكبر هذه الرموز دلالة على الحياة ، ثم حول النثر الى الرواية القصيدة ، وحول التاريخ الى أساطير ، فكان الواقع يقابل الأسطورة . ولهذا فالرواية لا تعالج التاريخ ولا الإجتماع الا بوصفها تخييلاً … الرواية ليست اذاً محاكاة .. ولكنها الحياة ذاتها . الرواية ليست التاريخ أو الاجتماع . ولكنها أيضاً ليست الواقع هي إنارته واستكشافه والعمل على تغييره ، لنقل أن الرواية هي تحويل الواقع لرمز كبير ، مجموعة من الحيل هي الفن .. هي ذاك السحر الذي يمس الأشياء ، فيجعلها تضئ … هكذا جاءت رواية أشواق الدرويش … كل هذا جاءني وأنا أقرأها متأخراً جداً، وما كنت لأقرأها لولا التزامي ل « دال « وما أبعدني وقتذاك عنها ذاك النزاع الحاد بين تيار التأييد وتيار الرفض بعد فوزها بجائزة نجيب محفوظ وبدعوة « دال « هذه كان علي أن أقرأها وأحدد موقفي النقدي منها .. وكان الدرس هنا .. هو أن النقد هنا كان « رواية تعلم « كما قال الناقد ( تسفيتان تودروف في كتابه « النقد رواية تعلم « ) .. فبعد قراءتي للرواية وجدت أن الموقف الصحيح هو الوقوف على النص والالتزام بما جاء به وتقويمه .أن يكون النقد داخل النص وليس خارجه وفحص هذا المحتوى مضموناً وشكلاً . ولكن الأمر يتعلق بالتاريخ … ولست متخصصاً في التاريخ – أنظر للرواية بحسبانها عمل جمالي وفكري !
نالت رواية « شوق الدرويش « جائزة نجيب محفوظ ( الجامعة الأمريكية بالقاهرة ) وأثارت بهذا الفوز ضجة نقدية واعلامية كبيرة . وتولد حولها تياران نقديان متعاكسان ، تأيداً ورفضاً ويرى المؤيدون أنها رواية جيدة فنيا وفكريا . أما المعارضون فيرون أنها استخدمت شهادات تاريخية . ولهذا فهي ليست سردا تخييليا ، وقد انحازت ضد السودانيين ورفعت من شأن آخرين . عند قراءاتي وجدت أن النص قد قام بتخييل التاريخ وذلك عبر شعرية الرؤية للواقع وشعرية الوصف .. حتى كادت الرواية في بعض مشاهدها أن تكون واقعية سحرية كما في عام الجوع الكبير عندما أكلت الأم إبنها – وفي مشهد نظافة سجن الساير عندما حملت جثث موتى السجن خارج المدينة .. فكانت أزرعها وأفخاذها تنخلع أثناء حملها الى الفضاء خارج المدينة .. ومصطلح تخييل التاريخ نحته العراقي عبدالله ابراهيم ثم أكده ادورد سعيد … عندي أن نجاح الرواية الباهر جاء بسبب موضوعها الكبير … حيث تفوقت على كل الروايات العربية والسودانية التي صدرت في السنوات العشر الأخيرة وذلك بسبب ضعف موضوع تلك الروايات وعدم ارتباطه بفوران الحياة العربية العامة في هذه السنوات . فاذا كانت رواية ( موسم الهجرة الى الشمال ) قد نجحت لأنها استلهمت موضوع عصرها « صراع الثقافات « واستلاب ثقافة الغرب الأوربي لثقافات العالم الثالث … فان موضوع رواية أشواق الدرويش هو نفس موضوع موسم الهجرة في البحث عن الهوية ولكنها هنا أشواق الدرويش فقد كان الموضوع هو الايمان العقلي والايمان القلبي كطريقين يؤديان للهوية !»
تبدأ الرواية ببخيت منديل – عبد اختطفه تجار الرقيق من أحضان والدته . لا يذكر اسمه . يذكر مرارة بيعه من سيد لآخر . وحياته في سجن الساير . حتى يلتقي اليونانية «ثيودورا « الراهبة الجميلة التي جاءت للخرطوم في بعثة تبشيرية . وهي ترى الخرطوم بلاد شريرة ولكنها أحبتها . تتغير الأشياء بعد سقوط الخرطوم ومقتل غردون ، تؤسر ثيودورا وتسبى . تقتل بعد اكتشاف محاولة هربها . يدفن بخيت منديل محبوبته دون أن يدري أنها هي . ويقرر أن يقتل كل من اشترك في قتلها . ينجح في قتلهم ويقع في يد الحسن الجريفابي . ثم تجئ شخصية الحسن الجريفابي وهو يجسد الفكرة الأساسية للرواية ( الايمان العقلي والايمان القلبي ) « وهنا تنتهي الرواية بنهاية المهدية « … لكن المهدية خير كلها .
يقول الحسن وما المهدية يا بخيت الا ايماننا ؟ فان ذهب الايمان ذهبت !
ثم يقول : إن دخلت بك المسلمية فأنت ميت !
أما عن الشكل الروائي فيقول عيسى الحلو : هو شكل سردي دائري … يبدأ من نقطة النهاية .. فتعود النهاية لتلتئم مع البداية .. فالسرد هو صوت استرجاعي وتتعدد الأصوات السردية التي هي تشظي للصوت الرئيسي .. وهكذا تتفرع من الصوت الرئيسي أصوات كلها تجري على خلفية ثقافية صوفية اسلامية عند بخيت منديل ومسيحية صوفية عند اليونانية ثيودورا . مما طبع الرواية كلها بهذه العذابات الصوفية التي تصور السودان في اطاره الثقافي الضارب الجذور في المادي والروحي . الواقعي وما فوق الواقعي .
هكذا أخذت هذه الأصوات تتحدث عن الحياة وعن تلك الأمكنة البعيدة التي تؤثر على هذه الحياة … تلك القوة التي تأتيها من خارج حدودها الجغرافية ، وتشكلها كما تهوى وتريد . مصريون وأتراك وانجليز والثوار ضد كل هذه المظالم التي يصنعها الغزاة والمظالم التي يصنعونها هم أنفسهم .
الأصوات تتدفق … الشخصيات تتكلم .. النص ملئ بالعتبات .. آيات قرآنية .. اشارات من الانجيل ومن التوراة .. أقوال للمتصوفة ..ودفتر ثيودورا الملئ بالخواطر … كلها أصوات يستعين بها النص السردي في تكوين خطابه الروائي . … السرد يسوده جو قاتم ، وحزن كثيف .. الجوع .. الرعب .. تجئ بعض حكايات مكسوة بغرائبية حينما تأكل الأم وليدها . والاسلوب اللغوي مكون من جمل قصيرة .. سريعة الاندفاع . موجزة . مكثفة . صور شعرية . كل هذا يكون طقس سحري .. وتحوم المعاني في شكل ايحاءات .. جمل غير قاطعة المعنى .
ذكرت الورقة عوامل ساعدت على توهج النص منها :
اختيار هذه الفترة الفنية دراميا وفكريا من تاريخ السودان أعطت الرواية تميزا كبيرا ، نجاح الكاتب في التخييل أبعد النص الروائي عن التأريخانية – ما عدا ايراده للوثائق في بعض الفصول كخطابات المهدي – ، الاسلوب التليغرافي في بناء الجمل قلل من ضعف الاسلوب اللغوي وأعطى النص حيوية سردية ، تحريك الشخصيات في الفضاء الدرامي بمهارة ، تنوع الشخصيات وحقيقيتها ، سيطرة الكاتب على النص ، نجح الكاتب لأنه وضع مخططاً روائياً محكماً لمسار الأحداث ، خبرة الكاتب العميقة بنظرية الرواية ، الخبرة الوجودية العميقة بالحياة أعطت الكاتب القدرة على فهم دوافع الشخصية وتراكيبها الداخلية فكريا ووجدانيا والربط بين المشاهد من حيث الايقاع لزمن السرد والزمن الروائي ..
كما تطرقت الورقة الى عوامل كادت أن تعوق التدفق الحي للرواية منها :
اللغة لم ترتفع الى مستوى الأداء الشكلاني للنص ، تقييد الحركة الدرامية للجمل اللغوية بسبب التقديم والتأخير للألفاظ وهناك ثرثرة كادت أن تؤدي لترهل النص .
رغم كل هذا فهذه الرواية شديدة الجمال .. استطاعت أن تتجاوز الكثير من الأعمال الروائية الجديدة التي صدرت في العشر سنوات الأخيرة وتشي بمولد روائي كبير على مستوى السودان والعالم العربي وهي رواية لا تقل تجويدا عن الرواية المعاصرة في العالم اليوم .
وتجدر الاشارة الى أن مهارة الكاتب في بناء هيكل درامي يعتمد على تركيب حبكات درامية قصيرة ، امتزجت بمجرى السرد العام ، فكانت تتفجر محدثة فعلاً درامياً قوياً يتخلل مسار النص ، وربما استعار الكاتب هذه التقنية من التأليف الموسيقي .. حينما تكون هناك نغمة عامة تجري وتنقسم على نفسها في عقد من النغم المتعدد .. ثم تتجمع كلها في المركز الذي يسمى بالكوانتربونيت . ثم تعيد الكرة انفجارا وجريانا سرديا . وختم حديثه بقوله :
الرواية السودانية أخذت في مسارها التطوري من نقطة القمة .. موسم الهجرة للطيب صالح .. وهي تحاول أن تصنع قمم أخرى بناء على ايقاعات زمانها الجديد وفي ارتباطها بأبيها الروحي الطيب صالح طيب الله ثراه لأنه كان المثال الجمالي والفكري الرفيع الذي حدد مسار الرواية السودانية المعاصرة.