المجـــــاراة الشـــــــعـــرية والنقـــــائــــــض

بقلم : عبد السلام كامل عبد السلام
المجاراة الشعرية معروفة منذ أقدم العصور الشعرية المعروفة وأعني به العصر الجاهلي والقصة المشهورة في وصف الفرس بين الشاعرين امرئ القيس الكندي وعلقمة الفحل في وصف فرسيهما وما كان من تفضيل زوج امرئ القيس قصيدة علقمة الفحل على قصيدة زوجها مما أدى إلى طلاقه منها ،فجازاها بزواجها من بعده، وكذلك ما هو معروف من نقائض الشعراء الثلاثة الأشهر في العصر الأموي وأعني بهم الأخطل والفرزدق وجرير وما كان من شغل لديوان الشعر العربي بتفضيل قصيدة لأحدهم على قصيدتي الشاعرين الآخرين من قصص تتسم بالطرافة والهجاء الذي كان يتخلل هذه القصائد،ولعل الخلفاء الأمويين كانوا يروجون لهذه الأشعار شغلا للمجتمع آناك عن الخلافة الأموية.
وجاء العصر الحدث بشعراء حاولوا التميز بين أقرانهم بالدول على قصائد شهيرة بتشطيرها أو تخميسها أو تسبيعها أو محاولة مجاراة هذه القصائد،ومن منا من لم يسمع بالشاعر أحمد شوقي في مجاراة البردة للبوصيري أو في سينية البحتري أو في مجاراة الشاعر إسماعيل صبري لنهج البردة ..كل هذا ربما لطلب البركة أو إظهار الشاعرية عند كل من حاول هذه التجارب الشعرية..
وفي الشعر الحديث ظهر مايسمى شعر الإخوانيات وهو أن يتراسل شاعران أو أكثر في موضوع معين فينتجان قصائد نصفها لأحد الشاعرين ونصفها للشاعر الآخر ،ولعلنا هنا في السودان نتميز بكثيرمن هذه التجارب الشعرية ،ربما كانت بداياتها عند الشاعر العباسي أبي الحسن بن هانئ،أبي نواس ،والقصة التي تروى عن اشتهائه هو وصاحبه دجاجة مشوية بالأرز ،ومع ما في النص المنتج من طرافة ولكن فيه كثير من السذاجة ..
الشاعر الصاغ محمود أبو بكر نجد في ديوانه كثيرا من هذه المساجلات الشعرية ،ولعل أشهرها هي قصيدة (صه يا كنار )
صه يا كنار وضع يمينك في يدي
ودع الملامة للملامة والدد
صه غير مأمور وهات مدامعا كالأرجوانة
وابك غير مصفد
اأو في مساجلاته
مع الشاعر الأفصح الطيب السراج ،
شجاها قريضي فنحنا معا
كما يسعد الأخدع الأخدعا
ولعل ذاالفن يكاد يندثر الآن بسبب انصراف الشباب إلى ساهل الشعر ،وأعني به ما يسمى الشعر التفعيلي أو ما جاء بعده من شعر منثولا يلتزم بقافية ولا وزن ولا معنى ظاهر،وهو مع ذلك يسمى شعرا!ولعل من محاسن الوسائل الحديثة في الاتصالات عبر الانترنت مافي عالم الفيس بوك واتصال العالم من خلال هذا العالم السحري ،واتصال المتشابهين في المشارب المختلفة من سياسة أو غناء أو ألحان أو.. الشعر ..
ولقد وجدت نفسي مرتبطا بشاعر مصري اسمه عزت الخطيب ، وهو يتسم بالرومانسية المحببة وباللغة العالية والوزن الخليلي المتماسك .،ولئن قيل إن في الفيزياء ما يسمى التناغم والتزامن فقد وجدت نفسي أنساق لما يكتبه وأتابع ما يقوله من لفظ شعري وكأنني أتقمص روح الشاعر ..في آخر ما قرأت له قال :
مددنا أكف السؤل ندعو بليلة
بصدر الليالي السبع واسطة العقد
فرددت عليه
وقلنا معاذ الله يرجع كفـــــــنا
بخائبة الآمال في الزمـــن النكد
ولم نرتقب إلا العطايا من الذي
إجابته أحلى من العسل الشهد
فيارب يا مولاي يا فالق الدجى
أنر ليلتي هذي بنور من المهدي
بطه رسول الله يشفع للألى رجوا
رحمة الرحمن في الموقف الصهد
فأجابني مندهشا
أتانا من الخرطوم شاعرها
الذي له في مقام الشعر منزلة المجد
يضوع بألوان البيان حديثه
كما أبدع الأسلاف في سالف العهد
فرددت عليه قائلا
بلى يا سليل العلم من أرض طيبةٍ
وانت الذي في الشعر واسطة العقد
أما من كؤوس النيل أنهلت مشربا
وأصبحت يا ابن النيل كالصيقل الهندي
ليهنك يا مصر العروبة شاعر
هو المترع الإبداع في غير ما حدّ
فأجابني
عليك سلام الله والشعر يا أخي
سلام الروض والأيك والورد
فاختتمت المطارحة قائلا
وأنت سلام الله يغشاك دائما
متى غرد العصفور في يانع الرند
ولقد انتبهت إلى هذا الشاعر المصري وخاطبته مرة عن السبب الذي لا يججعل اسمه مشهورا في المشهد الشعري المصؤي فقال لي إنه لا يسعى إلى الشهرة..فأجبته أن على الشهرة أنتبحث عنه..وإلى مثال آخرمن مجاراةالشاعر الدكتور عزت الخطيب ،حيث يقول
صغار الطير كم حلمتْ ليكبر نابت الزغب
لتمخر غير عابئة بزهوٍ لجة َالسحب
فابتدرت قائلا
وما تدري بأن الجو فيه مواطن العطب
وكم ذا فيه من صقر يراقب طيرها يسبي
لكي يغتال فرحتها بنيل الأكل والشرب
ألا يا طائرا يشدو لكم أسعدت من قلب
وأنت تجوب ذي الآفاق لا تهتمّ بالصعب
ولا يشقيك تفكير بما يأتي من الغيب
وإن الله يحفظنا برغم الموت والحرب
وبعد..
فهذه دعوة مني لشعراء الفصحى الخليليين أن يشاركونا في هذه العملية التنشيطية للذائقة الشعرية الأصيلة