الغناء الكاسد .. والبيض الفاسد..

الليل الهادي صادرته أغنيات غريبة الشكل في المعنى والمبنى ودلالات (هشة) يتمايل على إيقاعها الصارخ شباب بخطوات «مشاترة».

الفهم العميق كان حكراً على السودانيين من خلال ثقافتهم وقدراتهم على التميز ما بين الصالح والطالح .. هذه المميزات تهاوت في عهد جيل لا يدرك أن أغنيات مثل (مرضان باكي فاقد) كانت تمثل إحساس وفعالية غرفة الإنعاش في المعالجة والخروج من نفق الألم بمجرد إكمال كورس معاينة (الأنتي باتيوك) عند فراغ الفنان من الأغنية.

شباب يتمسك (بالحمام الميت) ويترك يلوحن لي حمامتن … همن عيني غمامتن مع إن فرق الحمام هنا يساوي الفرق ما بين الطازج والمسرطن.

أذكر أن أحد الإخوة السعوديين كان يستمع لرائعة أبوآمنة حامد

سال من شعرها الذهب وتدلى وما إنسكب

قفز من مكانه مندهشاً وهو يقول

أن أجمل ما يميز الأغنية السودانية هو كلماتها الرصينة

أما ألحانها (فطاش ما طاش).

وعذرت الرجل السعودي لأن المناخ هو الذي يساهم في تقبل الإيقاع واللحن ولكنني أكبرت فيه ذلك الفهم الذي يتذوق فه كلمات الأغنية السودانية

خصوصاً لأغنية وضع فيها أبو آمنة كل نبوغه وأكسبها ودالبادية ذلك الألق المدهش.

الحفلات التي تدار في الأعراس والمناسبات تمنح أهل العريس (طلة الإحتفاء) ولكنها تزعج الآخرين بالقدر الذي يجعلهم يقذفون العريس وزوجته المصونة (بالبيض الفاسد).

ولا أفهم لماذا يتمسك أهل المناسبة بفنان (نص كم) لتوثيق أجمل لحظة في حياتهم بالصراخ والضجيج هل الأمر يتعلق بالمال أم رغبة في تحريك الأرجل والرؤوس (بأي كلام).

وميزة هذه الحفلات أنها تمنع الحرامية من ممارسة السطو الليلي لأن هؤلاء المغنواتية تئن صدورهم بالضجيج ويحرمون المتعبين من إراحة الرؤوس على الوسائد فتظل عيونهم ساهرة حتى إنتهاء الحفلة الكارثة.

لذلك يعتقد المحافظون (جيل زمان) أن (فركشة) الذوق تبدأ من الحفلات الإجتماعية التي يستوعب كل من هب ودب فيكسب هذا الفنان الفلتة الثقة ويبدأ في البحث عن طريقة تقوده إلى العدادات وإن النصوص الكئيبة التي (يدسونها) وسط الموسيقى هي إفرازات مجتمع إنقلب عن الأعراف والتقاليد وأغنيات على شاكلة (حرامي القلوب) تستحق إنشاء بسط أمن شامل أمام كل مركز شباب.

والمدهش فعلاً هنالك برامج تم وضعها خصيصاً في القنوات لتعليم نصف الشعب السوداني الغناء فمنهم من نجح ومنهم من تعثر ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.

وبين هذا وذاك يحتاج المتلقي أن يذهب مرتان لإختصاصي الأنف والأذن والحنجرة من خلال تلوث سمعي وتلوث بيئي وضجيج.

الغناء في هذا الزمان الردئ أصبح (خشم بيوت) أغنيات للإستماع وأغنيات للرقيص وأغنيات تشابه الكركدي.