الصورة الصحفية.. كائن ساكن يستنطق الأخريين

الخرطوم: أكرم الفرجابي
يقول المؤرخون حينما بدأت الصحافة كانت مكتوبة فقط، إلى أن نشرت إحدى الصحف الأمريكية أول صورة عام 1880؛ وهو ما مهَّد لظهور الصحافة المصورة التي تعتمد بصفة أكبر على الصورة الصحفية, فالصورة الفوتوغرافية عنصر أساسي في صناعة الصحافة التي تعد أول لغة مكتوبة، ومنها تطورت الأبجدية التي نستعملها اليوم في عصر الصورة، حيث لم تبدأ الصحف بنشر الصور بالشكل الموجود الآن، بل كانت الصور الأولى التي ظهرت في الصحف والكتب لا تتعدى كونها رسومًا يدوية، تُطبع من قطع خشبية، حفرت عليها الرسوم، واستمر استخدام هذه الطريقة حتى قرب نهاية القرن التاسع عشر، وكانت صحيفة “أخبار الأسبوع” الإنجليزية أول من استخدم هذه الطريقة عام 1836، مع موضوع عن حريق شب في جزيرة سانت مايكل، والمتابع لتطور الصورة الصحفية يجد أن الاستخدامات الأولى للصورة الفوتوغرافية كانت تفتقر إلى الخبرة، وتنحصر في نشر صور لشخصيات جامدة أو رسمية.
وشهدت السنوات الأولى لاستخدام الصور جهداً رائعاً من أجل الاستفادة من الوسيلة الجديدة التي ظهرت إلى الوجود, وتطور استخدام الصور الصحفية حتى وصلنا إلى عصر الصحافة المصورة, التي تعطي الأولوية الكبيرة للمصورين الذين يشكلون غالبية محرري الصحف، فأصبحت عدسة المصور تفوق قلم المحرر في بعض الأحيان، وهناك العديد من الصور التي دخلت التاريخ، ونالت إعجاب الكثيرين؛ منها صورة زعيم البوذيين في جنوب الفيتنام، ثيش كانغ دوك، وهو يحرق نفسه عام 1963، للتعبير عن سخطه بسبب أساليب التعذيب التي كانت تتخذها الحكومة آنذاك، وكذلك صورة أم وأولادها يحاولون عبور النهر في جنوب فيتنام هربًا من القصف الأمريكي, وصورة لاجئين فلسطينيين قُتلوا في بيروت في مذبحه صبرا وشاتيلا, وصورة أم صومالية تدفن ابنها الذي مات جوعاً عام 1992م.
وعن تأثير الصورة في الصحافة ودورها في توجيه الرأي العام, قال المصور الصحفي الأستاذ مبارك حته في حديثه لـ(ألوان) أمس، أن الصورة والنص متلازمتين يخدم كلهما الآخر لتوثيق وتوصيل المعرفة وتأكيد المعلومة، الصورة تعتبر أداة للتوثيق والكلمة لتوصيل المعلومة، لكن تبقى الصورة هي المحك الحقيقي لتأكيد أو نفي الخبر أو المادة المصاحبة انطلاقاً من أن الصورة لا تكذب ولا تتجمل، ويضيف أننا في مواضيع كثيرة يمكن أن نستغني عن الكتابة الحرفية والاستعاضة عنها بالصورة وفي طبيعة الحال الصورة تعبر عن ألف كلمة، والصورة تمثل قضية للشعوب يتفاعلون من خلالها ويتأثرون بها، ولا سيما الأحداث المأسوية مثل مقتل الشهيد محمد الدرة، لهذا الصورة كائن ساكن يستنطق الآخرين بمعنى أن للصورة لغة حوارية صامتة في مشهدها الأول، تفاعلية في مشهدها الثاني، وفي الثالث تتحول إلى منتدى نقاش، وهنا يكمن الدور المهم الذي تلعبه الصورة في رفد الصحف، لكن للأسف إلى هذه اللحظة يتم التعامل معها وفق مزاجية لا علاقة لها بالتخصصية.
في مقابل ذلك قال المصور الصحفي أحمد كرار في حديثه لـ(ألوان) أمس، أن الصورة لا يمكن الاستغناء عنها, بل إن الصحافة المعاصرة تكاد تعتمد عليها اعتماداً كبيراً لتدلل على ما تنقله من وقائع وأحداث, وأضاف: قديماً كنا نقول إن الصورة تساوي 1000 كلمة, وكثير من الأحداث يمكن أن نلتقط لها صورة واحدة نعبر بها عن أكثر من فكرة، وأكثر من قضية، دون الحاجة إلى أن نكتب عنها شيئاً، وأكد أنه في ظل هذه الظروف الراهنة المعاصرة ينبغي أن ننتبه إلى إساءة استخدام التكنولوجيا الحديثة في التعامل مع الصورة, فقديمًا كانت الصورة لا تكذب, والآن الصورة يمكن أن تكذب أو تضلل أو تزيف- حسب وصفه، أما عن كيفية توظيف الصورة؛ أوضح “كرار” أن اختيار زاوية الصورة، وحجمها في حد ذاته، يلعبان دوراً مهماً في تأكيد مصداقية الحدث، لما يدفع القارئ لتبني وجهة النظر التي تعبر عنها الصورة إذا كانت صادقة لا تكذب ولا تضلل.