الصحافة الى أين؟

بقلم : اشراقة الفاتح
ضج سوق الصحف بعشرات الاصدارات .. سياسية ورياضيه واجتماعية وعلى غزارة الصادر والجهد الذى يبذل فيه لا يرقى المنتوج فى الغالب الأعم لتطلعات وطموحات القارئ الحصيف الذي بات ينظر للصحف فى احيان كثيرة بعين الشفقه لانها قد تخاطب على استحياء بعض افكاره وأرائه وقضاياهـ وهمومه اليومية من مأكل ومسكن وخدمات لكنها تغرق فى الخوض فى تفاصيل الخلافات السياسية بين الأحزاب وقوائم المرشحين الذين ما عادت تهمهم مجرد الوعود الكلامية ولو من باب الدعاية الانتخابية والناس مع كثافة احباطها تتطلع بنهم لوعد جديد بعيد الحياة لمشروع الجزيزة ورفاقه ويجعل ماكينات المصانع تنسج خيوط الأمل لغد مشرق من جديد.
البلاد تمر بمرحلة تاريخية حرجة والناس هنا اصبحت بين مغادر يشد أحزمة الرحيل لعوالم تبرق منها اشعاعات الامل وبين جالس يهمهم بشعور الخيبة والخسران ويتعاطى نكات السخرية اللاذعة والفكاهة المريرة وهنا يحضرني قول الفيلسوف (فولتير ) الذي اعتبر ان التاريخ ليس هو سير الحروب والملوك بل هو مغامرات العقل وهو من القلائل الذين قضوا حياتهم في المنفى والسجون من اجل افكارهم ومن اجل (حرية التعبير) واطلق شعاره المعروف (انني مستعد ان اموت من اجل ان ادعك تتكلم بحرية مع مخالفتي الكاملة لما تقول) فنحن في ذروة الاحتياج للافكار الثاقبة والاقلام الشفافة والتي ان تعاضدت لصارت بمنأى عن عصف التقلبات السياسية التي لم تدع مجال لمؤسسة صحفية راسخة تدين لها بالولاء وتحمل طموحات الاجيال المتعاقبة.
أن تتحول احلام كثير من الصحفيين الى امتلاك الصحف بدلا عن اقتناء الافكار فهذا لعمري يجعلنا لا نبارح المربع الواحد ويسلب الصحافة رداءها ويجعلنا مجرد (هتيفة) نروج (للساسة) وعشاق التصفيق واضواء الفلاشات الكاشفة.
لهفي على مئات الاقلام النظيفة والافكار الناصعة التي غادرت بلاط صاحبة الجلالة بعد ان تملكتها الهزيمة النفسية واوصدت امامها منابر البوح والفكر الناضج المسور بالمعارف الثرة والملهمة فقد اصابتها بعض (نيران صديقة) وحملت نعشها وهي تزرف (دموع التماسيح).
فمن لنا بــ(فولتير) سوداني جسور وناصح امين يعيدنا الى الحياة ويمنحنا بعض ما سلب وكمم وصودر من كتابات وافكار لو قدر لها ان تظهر وتحيا لانتجت اجيال قادرة على تحقيق مرادات مجتمعها ولفازت بحسنات الدنيا والاخرة، فالامم والشعوب لاتصنعها مجرد الصدف او الصحف المكتومة الانفاس او التي كتب لها ان تغرد خارج السرب او تكون صدى لأحاديث السياسة و الساسة الفطيرة التي لا تسمن ولاتغني فصحيفتان او ثلاثة تحمل افكارنا العملاقة افضل من ركام عشرات الصحف أكثرها غث وضعيف لايبارح صوتها انفها ببعيد.