الرحمة (الرئاسية).. الإنقاذ من المشنقة

الخرطوم : أكرم الفرجابي
العفو الرئاسي حق كفله القانون لرئيس الجمهورية يستطيع بموجبه أن يعفو عن العقوبة الصادرة على المتهم سواء كان هذا العفو عن كامل العقوبة أو ما تبقى منها، واستخدام الرئيس البشير لهذا الحق حرك مياه راكدة وطرح حزمة من الاستفهامات على المشهد، خاصة بعد إصداره عفواً رئاسياً عن (5) من مقاتلين تابعين لحركة التحرير والعدالة، (4) منهم أدينوا بالإعدام بعد القبض عليهم خلال هجوم شنته الحركة على الخرطوم في 2008م، وقال الصادق زكريا، المتحدث باسم المجموعة المنشقة عن حركة العدل والمساواة، والتي تعمل باسم حركة العدل والمساواة (جناح السلام)، إن الرئيس البشير أصدر قراراً جمهورياً بإسقاط العقوبة عن (5) من منسوبي الحركة، الأمر الذي فسره بعض المراقبون بأن الإفراج في هذا التوقيت نوع من الدعاية الانتخابية، فيما ذهب آخرون إلى أنه يأتي في إطار فتح الباب للحركات المسلحة التي لم توقع على اتفاق الدوحة للجلوس في طاولة المفاوضات.
مبررات الإفراج:
أوضح الناطق باسم حركة العدل والمساواة (جناح السلام) أن قرار الإفراج يأتي بناءً على الاتفاق الذي تم توقيعه مع الحكومة في العاصمة القطرية الدوحة في أبريل 2013، وفيما أشار إلى أن الخمسة سيفرج عنهم خلال هذا الأسبوع بعد تكملة الإجراءات القانونية، وأضاف إن المباحثات مستمرة مع الحكومة للإفراج عن 51 آخرين من منسوبي الحركة بعضهم أسر في معركة أم درمان وآخرين في معارك أخرى، وحركة العدل والمساواة إحدى الحركات الثلاث التي تحارب الحكومة في إقليم دارفور منذ 2003 بجانب حركة تحرير السودان جناح عبد الواحد نور، وجناح أركو مناوي الذي انشق عن نور في 2006، ورفضت الحركات الثلاث الانضمام لاتفاق سلام برعاية قطرية في يوليو 2011 بينما وقعت عليه حركة التحرير والعدالة لكنها تعتبر الحركة الأقل نفوذا حيث تشكلت من مجموعات منشقة عن الحركات الرئيسية وتبعتها في التوقيع المجموعة المنشقة عن العدل والمساواة في أبريل 2013.
حق الإفراج:
يحق لرئيس الجمهورية بموجب أحكام المادة (58) من قانون الإجراءات الجنائية السودانية لسنة 1991م، وقف الإجراءات في مواجهة المتهم بعد إحالته للمحكمة، لكن منطوق المادة (208) من قانون الإجراءات الجنائية، يضع شروطاً قانونية أمام سلطة رئيس الجمهورية في العفو الرئاسي، وأول هذه الشروط أن يأتي العفو لاحقاً للإدانة من المحكمة المختصة، والشرط الثاني أن إسقاط العقوبة والعفو لا يشمل جرائم الحدود، وثالث الشروط أن تلك السلطة في العفو يجب أن لا تشمل التعدي علي الحقوق الخاصة، وهنا ثمة سؤال يطرح نفسه هل القضايا التي أطلق فيها العفو الرئاسي تنطبق فيها هذه الشروط المذكورة أعلاه أم لهذا العفو مبررات أخرى؟
الرحمة الرئاسية:
البعض يعتبر الحديث عن إصباغ الرحمة الرئاسية، على بعض المعارضين بأنها في غير موضعها، لأنهم لم يدانوا أمام محكمة مختصة ليعفو عنهم الرئيس، وواقع الأمر أن مفهوم العفو الرئاسي الذي (يلوكه) أعوان الرئيس وأجهزة الإعلام التي تدور في فلكه، لا تعدو كونها محاولة يائسة للإفلات، من عقدة الشعور بالظلم للعباد، وتخطي القوانين وتطويعها لتصفية الخصوم و(شخصنة) الخلافات السياسية، بذات القدر نحو سعيها لإسكات صوت الرأي العام، وتخفيف الضغط علي النظام، والسلوك الهمجي والبربري لأجهزته العدلية والأمنية معاً، لكن العفو الأخير الذي أطلقه الرئيس البشير بإسقاط العقوبة عن (5) من منسوبي الحركة يصفه بعض القانونيين بأنه من حق الرئيس.
خطأ الإفراج:
لكن هناك بعض الحالات التي لم يكن للرئيس حق إطلاق العفو فيها بحسب القانونيين، كإطلاق سراح رئيس حزب المؤتمر السوداني إبراهيم الشيخ الذي وجه انتقادات لقوات الدعم السريع بعد عفو رئاسي من الرئيس البشير، وقبلها الإمام الصادق المهدي الذي قضى فترة ليست بالقصيرة معتقلاً في السجن المركزي بضاحية (كوبر)، لكن أطلق سراحه أيضاً وفقاً لعفو رئاسي أصدره الرئيس البشير، استجابة لوساطة مجموعة من الشخصيات العامة أبرزها رئيس الوزراء الأسبق الجزولي دفع الله، عقب توجيهه انتقادات عنيفة هو الآخر لقوات (الدعم السريع) التابعة لجهاز الأمن الوطني، اتهمها فيها بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين في دارفور وكردفان،كما أفرجت السلطات الأمنية عن الرئيس السابق لجهاز الأمن والمخابرات الوطني صلاح قوش بعد اتهامه مع ضباط آخرين بمحاولة انقلاب بموجب عفو رئاسي.
رأي القانون:
المستشار القانوني الأستاذ نبيل أديب ذهب في حديثه لـ(ألوان) في إفادة سابقة، أن ما يصدر قبل الحكم لا يعتبر عفو رئاسي، وإنما هو إسقاط للإجراءات الجنائية، وإسقاط الإجراءات القانونية ليست من سلطة الرئيس، لأن إسقاط الإجراءات القانونية قبل صدور الحكم من المفترض أن تكون من سلطة النائب العام، وأشار أديب إلى أن العفو الرئاسي الذي صدر بحق رئيس حزب المؤتمر السوداني إبراهيم الشيخ منذ أيام خلت، لا يعتبر عفو لأنه لم يرتكب جريمة أصلاً، وأضاف لا يقال إنه ارتكب جريمة إلا إذا صدر حكم جنائي، والقاعدة القانونية تقول: (أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته)، وبإمكان وزير العدل فقط إيقاف الإجراءات القانونية، إذا كان الاستمرار في الإجراءات ليس من الصالح العام، لأن الاستمرار في القضية يكشف معلومات حساسة تؤثر على الأمن القومي، في هذه الحالة يمكن لوزير العدل أن يوقف الإجراءات في القضية، لكن المادة (208) من قانون الإجراءات الجنائية تشير في نقطة إسقاط الإدانة أو العقوبة من قبل رئيس الجمهورية إنه بإمكانه إسقاط العقوبة لكن يكون في نظر القانون مرتكباً للجريمة، وختم حديثه بأنه لم يمكن إسقاط العقوبة دون إدانة، وتابع: أن قضية صلاح قوش وأعوانه في المحاولة التخريبية هي الوحيدة التي من حق الرئيس أن يطلق فيها العفو العام في كل ما تم العفو فيه.