الخرطوم وفرقـاء الجنوب.. (الأم) تتوسط

حينما تفجرت الأوضاع بجنوب السودان في منتصف ديسمبر من العام قبل الماضي شكلت منظمة «إيقاد» وساطة بين الفرقاء الجنوبيين برئاسة الأثيوبي سيوم مسفن، وعضوية الفريق محمد أحمد الدابي من السودان، والجنرال لازراس سمبويا من كينيا، واستمرت الوساطة لإذابة الجليد بين (سلفا ومشار) وتولى رئيس كينيا أهوره كينياتا ورئيس الوزراء الأثيوبي هايلي مريم ديسالين، في نوفمبر الماضي إدارة الحوار بين الأطراف المتنازعة في جنوب السودان، وحملت صحف الخرطوم الصادرة أمس، اتجاه آلية «الإيقاد» الجديدة إلى عقد اجتماع خاص بالعاصمة الإثيوبية في غضون الأيام المقبلة للتباحث والتشاور بشأن استضافة الخرطوم قمة تجمع الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه السابق رئيس المعارضة الجنوبية د. رياك مشار، وثمة معلومات بأن عدداً من أعضاء الآلية الجديدة التي تشمل الترويكا أبدت تأييدها الكامل لاستضافة الخرطوم للقمة ومنح الرئيس البشير التفويض الكامل للتوسط بين الجانبين الأمر الذي طرح حزمة من الاستفهامات حول مدى الدور الذي يمكن أن يلعبه البشير في رأب الصدع بين الطرفين المتناحرين.

الخرطوم: أكرم الفرجابي

الوسيط الأنسب:

لم يجد الوسطاء الأفارقة حلاً قاطعا لأزمة الجنوب يؤدي إلى استقرار البلد الوليد، حيث لم تفلح وساطات الدول المجاورة في تهدئة الأوضاع التي أصبح المجتمع الدولي يصفها بالمأساوية، لذا يرى البعض أن الخرطوم هي الأقدر على حل أزمة الجنوب باعتبارها الوسيط الأنسب والمرضي لطرفي النزاع، غير أن بعض المراقبين والمحللين يرون عكس ذلك نظراً للاتهامات التي تطلقها جوبا بين الحين والأخر بأن الخرطوم تدعم زعيم المعارضة رياك مشار، وتستمر الحكومة السودانية بدورها بالنفي والتأكيد على عدم تدخلها في الشأن الداخلي للدولة الوليدة.

شأن داخلي:

الحكومة السودانية ترى أنها الوسيط الأنسب لحل الأزمة في دولة الجنوب، موضحةٍ أنها لن تتدخل في الشؤون الداخلية بهذه الدولة، وشددت على أنها لن تقبل تدخلها في شأن داخلي يخص حكومة الخرطوم وفقاً لوزير الاستثمار مصطفى عثمان إسماعيل، الذي يؤكد أن السودان منفتح على علاقة متوازنة مع جنوب السودان، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل لخصوصية كل دولة، لافتا إلى إن السودان يعرف مصلحة جنوب السودان جيداً كما يعرف مصلحته، وكانت جوبا قد تقدمت بمقترح للوساطة بين الخرطوم وقطاع الشمال، إلا أن الخرطوم رفضت هذه الوساطة وقال سفير دولة جنوب السودان بالخرطوم ميان دوت في حديث سابق لـ(ألوان)، (لقد تقدمنا بمقترح بان نكون وسطاً للمفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية قطاع الشمال حول قضية المنطقتين، لكن الخرطوم رفضت)، وتساءل دوت قائلاً: (الم نكن الأنسب لحل قضية النيل الأزرق وجنوب كردفان)، بيد انه رحب بأي طرف يريد أن يلعب دوراً ايجابياً لحل أزمة جنوب السودان.

الدور الأضعف:

ثمة ملاحظات بأن دور الخرطوم في الوساطة التي تقودها «الإيقاد» ضعيف جداً حيث يقول المحلل السياسي د. عمر عبد العزيز في حديثه لـ(ألوان) أمس، أن دور السودان في وساطة الإيقاد هو الدور الأضعف عن بقية الدول الأعضاء، بيد انه أشار إلى أن الخرطوم هي الأنسب لخوض وساطة اسماها بالحقيقية في أزمة الجنوب، لافتا إلى انه من بين دول الإقليم لا توجد دولة تفهم طبيعة هذا الصراع وتفكير قيادات الجنوب غير السودان، موضحا أن دور السودان يمكن أن ينطلق من منطق المعلومات التاريخية عن طبيعة الصراع التي يدركها السودان وفهمه أيضا لطبيعة شعب الدولة الوليدة، وأكد عبد العزيز انه لا يوجد في الإقليم من يدير هذا الملف أفضل من السودان، مشيراً إلى ضرورة أعطاء السودان الدور الريادي أو الأساسي في قيادة الوساطة بين طرفي النزاع، لافتا إلى انه في حال الاتفاق بين الأطراف فلابد من وجود دولة مراقبة مثل السودان تفهم طبيعة الجنوب لإدارة الأوضاع والإشراف على تطبيق الاتفاق مثل وقف إطلاق النار والقضايا الإنسانية الأخرى.

أمر حتمي :

قبول جوبا لوساطة الخرطوم يراه بعض المراقبون أمراً حتميا لأن الظروف الواقعية تفرض على حكومة الجنوب قبول وساطة السودان، ويذهب المحلل السياسي د. صلاح الدين الدومة في حديثه لـ(ألوان) أمس، إلى أن وساطة الخرطوم لحل أزمة الجنوب فرضتها الظروف الواقعية وجعلت منها الأنسب لقيادة المفاوضات، مشيرا إلى أن جوبا مجبرة على قبول هذه الوساطة لان السودان هو أفضل وسيط وفقا للظروف الراهنة رغم انه لم يسعى حتى الآن إلى صناعة موقف محدد من الأزمة، ولفت الدومة إلى أن الموقع الجغرافي الذي يتمتع به السودان والصلات التاريخية القديمة بين الشعبين إضافة إلى العوامل الاقتصادية الآنية بين الخرطوم وجوبا مثل التعاملات في مجالا النفط واستيراد وتصدير السلع المختلفة عن طريق (الشمال)، جعلت من جوبا مجبرة على قبول وساطة السودان وهي مكرهه.

العوامل المحيطة:

يبدو أن كل العوامل المحيطة بدولة جنوب السودان كما يرى المراقبون جعلت من الخرطوم كما أكد وزير الاستثمار السوداني د. مصطفى عثمان إسماعيل هي الأنسب لقيادة وساطة ربما تكون هي الأنجع للخروج بالجنوب من أزمة الصراع الراهنة، ويرى البعض معرفة حكومة الخرطوم بقيادات دولة الجنوب من الطرفين ربما يساعد كثيرا في تقريب وجهات النظر بين المتنازعين، الأمر الذي سيقود بدوره إلى التسريع في حل الأزمة كما يرى البعض أن الطبيعة الجغرافية والعلاقات الاقتصادية الآنية بين الدولتين أصبحت المسيطر الأول على طبيعة العلاقة بين الخرطوم وجوبا، الأمر الذي سيدفع بصورة كبيرة أطراف النزاع في الوصول إلى حل للأزمة الجنوبية خلال القمة المزمع قيامها بالخرطوم خلال الأيام القليلة القادمة.