أحداث الجزيرة أبا : الإمام قرر الخروج إلى إثيوبيا حيث (معسكر الشريف)

في يوم 25 مارس من عام 1970 جاءت أخبار ومعلومات من بعض الأنصار، إلى خالد محمد إبراهيم أمين عام شئون الأنصار، والذي كان مسئولاً عن الاستخبارات في ذلك الوقت، وتقول الأخبار إنَ قوة من الجيش السوداني قادمة من الخرطوم، وهي تسلك الجهة الشرقية من النيل الأبيض متجهة نحو الجنوب، وربما تكون قادمة نحو الجزيرة أبا.
وهنا قام الدكتور محمد صالح عمر وأمر الذين كانوا يقومون بالحراسة ويتخندقون على مدخل (الجاسر) وهو المدخل الوحيد إلى داخل الجزيرة أبا. أمرهم بالعودة إلى مواقعهم تحسباً لأي طارئ، واحتمال أن تكون القوة المذكورة تقصد الجزيرة أبا وليس ربك مقر القيادة هناك.

بقلم : عز الدين الشيخ ( الحلقة 2)

الذهاب إلى ربك
بعد أن استمر الضغط على الجزيرة أبا من قبل الجيش السوداني، والغارات المصرية، وبدأت الذخيرة تنفذ في أيدي الأنصار، وتقل المئون الغذائية، قرر محمد صالح عمر ومهدي ابراهيم الخروج من الجزيرة مع بعض قلة من الأنصار المدربين، والذهاب الى ربك بهدف الهجوم على الجيش، في عملية فدائية هدفها إشغال الجيش عن الضغط على الجزيرة أبا وإحداث ربكة في صفوفه.

وداع محمد صالح عمر ومهدي ابراهيم عند الجاسر

أخذ محمد صالح عمر بعض الأنصار ومعهم أسلحة الـ(RBJ) والرشاشات والذخيرة والقنابل اليدوية، وركبت أنا وعبد المطلب بابكر في اللوري حتى (الجاسر). وهناك أمرنا محمد صالح عمر أن ننزل ونقوم بوضع ألغام عند مدخل (الجاسر) وتفجيرها، في حالة محاولة الجيش الدخول إلى الجزيرة أبا. وفعلاً بدأنا في وضع المتفجرات على مدخل (الجاسر) وساعدنا أحد الأنصار، واستمر عملنا حتى بعد الفجر، فقامت المدفعية بالضرب علينا، فانسحبنا إلى الداخل وفي نيتنا إكمال العمل فيما بعد.

قصف واستشهاد وجرحي

كان يوم الاثنين 30 مارس 1970م من أصعب الأيام، حيث
كان يوماً دامياً للحد البعيد، حيث كثفت طائرات (الميج 21) القصف على الجزيرة وعلى قصر الإمام الهادي بالذات، ثم على المسجد الذي يقع مباشرة غرب القصر، وبعيد المغرب حيث سقطت ثلاثة صواريخ وكنت داخل المسجد وقتلت الصواريخ سبعة أخوان رجال وجميعهم في عمر الشباب أمام والدهم في منزل بجوار المسجد، وفي تلك اللحظة جاءني عبد المطلب وأخبرني بأنَ شظية دخلت في صدره، فقمت بمصاحبته إلى (الشفخانة) حيث شاهدت مناظر محزنة للمصابين والجرحى (عظام مكسرة في الأيد وشظايا).
بعد عودة عبد المطلب وتوقف الغارات بعد المغرب دخلنا بيتاً قرب المسجد دعانا صاحبه لتناول شيء من الطعام وكانت عبارة عن عصيدة فقط.
قرار الخروج
تحدث معنا الشيخ محمد صادق الكاروري، وقال إنَ الإمام قرر الخروج إلى إثيوبيا حيث (معسكر الشريف) وذلك بسبب الخسائر في الأرواح، ونفاذ الطعام والذخيرة، واعترضت أنا وقلت لشيخ الكاروري لن نتراجع، جئنا إما لنصر أو شهادة وهذا هروب من الميدان فقال لي:
هذا تحيز إلى فئة، لإعادة الكرة مرة أخرى. وذكر كذلك أنَ الإمام الهادي يريدنا أن نخرج معه أنا وعبد المطلب وشيخ الكاروري، وسلمنا أمرنا إلى الله، وانتظرنا ساعات طويلة إلى منتصف الليل، ثم دعينا إلى مكان الإمام في منزل آخر، حيث كان يوجد عدد من أفراد أسرته ومساعديه، وكان هناك عدة شنط للسفر- كأننا سنسافر بالطائرة من مطار الخرطوم- فاعترضت على تلك الحقائب والسجلات، قائلاً: إننا سنسير في أرض عراء خطرة، بها قطاع الطرق والحيوانات المفترسة، فاستجابوا ولكن لبعض مطالبي.
وضع المفتش في داخل (اللوري السفنجة) الذي كان ينقل السلاح من منطقة الكرمك إلى الجزيرة، كما وضعت بضعة رشاشات خفيفة جداً مع ذخيرة لا بأس بكميتها.
وركب الإمام في الخلف معنا ومع عدد من الأنصار المسلحين ظننا أنهم ذهبوا معنا لحماية الإمام.

عند (الجاسر)

عند وصولنا إلى الجاسر اعترضنا الحراس وقلنا لهم هؤلاء ذاهبون في مهمة قتالية فسمحوا لنا بالخروج من الجزيرة.
واتجه اللوري شرقاً بدون أنوار لتضليل الجيش الرابط على جهتي الجزيرة وخروجنا كان في الثغرة بين الجيشين.
وسار اللوري نحو الشرق بسرعة بطيئة مسافة قد تكون ساعة أو أكثر أو أقل، ودخلنا في أراضٍ زراعية، ثم اتجه جنوباً، وكان كلما مر على قرية، نزل عدد من الأنصار المسلحين في قريتهم، والإمام يوصلهم، ويعطيهم بعض المال وهكذا صار نزولهم حتى نزلوا جميعاً ولم يبق في اللوري غير هؤلاء:
الإمام الهادي
ابنه الفاضل الطالب بالثانوي آنذاك.
العمدة عمر مصطفى عمدة الشوال.
عباس أحمد عمر من قدامى الأنصار وسكرتير السيد عبد الرحمن.
محمد علي يونس ملازم الإمام أي خاصة بأموره الخاصة
سيف الدين الناجي: سواق الإمام
محمد صادق الكاروري
عبد المطلب بابكر خوجلي
عز الدين الشيخ
سائق اللوري لا اذكر اسمه بالضبط
الاتجاه إلى الجنوب
سار اللوري في اتجاه ربك، ولكن بعيداً عن مواقع الجيش. وشاهدنا حريقاً هائلاً لمصنع حلج القطن الذي أشعله الأنصار الذين ذهبوا مع محمد صالح عمر اليوم السابق.
وكان اللوري يسير بسرعة عالية، حتى وصلنا الدالي والمزموم، حيث شاهدنا في كل مركز سيارة (لاندروفر) معدة للمطاردة، كما وصلتنا أخبار عن ذلك ونحن في الجزيرة.
وتعدينا كل نقاط الشرطة وكان ذلك قبل طلوع الشمس مباشرة حتى وصلنا إلى (خور احمر) وهو الخور الموصل من السودان إلى داخل أثيوبيا، وتوقف اللوري، وذكر لي سيف الدين أن هذا هو خور أحمر الذي كنا ننوي النزول عنده، ولكن لاحظت أن هناك عدداً من الرجال يجلسون داخل الخور، فتوجسنا أن يكونوا مراقبين أمنيين، فقلت لسيف الدين تقدم حتى تتعدى قرية (أونسا) وندخل من خلفها، مثلما حضرنا أول مرة نحن الثلاثة عبد المطلب بابكر وبابكر العوض، وفعلاً واصلنا السير إلى خلف القرية، وعند توقفنا على جانب الطريق، نزل الجميع من اللوري، ووقفوا جانباً، إلا أنَ الإمام ظل فوق اللوري، يحرر رسائل للسائق والذي سيرجع باللوري وكنت أنا أيضاً لم أنزل منتظر أن ننزل السلاح والذخيرة.
جدال مع الإمام
قلت للإمام ننزل السلاح، فقال: لا تنزلوا السلاح، لأنه سيرجع مع اللوري إلى الجزيرة، وهم يحتاجون له هناك، فقلت له هناك عشرون طناً من السلاح، وهذه رشاشات خفيفة نحملها دفاعاً عن أنفسنا، وعددها حوالي 15 أو دون العشرين.
قلت له ونحن ما زلنا على ظهر اللوري، نحن قد نواجه قطاع طرق أو حيوانات مفترسة. فرد البقية الذين كانوا على الأرض: بأنهم لا يعرفون استعمال الأسلحة، قلت لهم أنتم احملوها، فإذا اضطررنا لاستعمالها، فسنقوم أنا وأخي عبد المطلب بذلك، ولكن أصر الإمام على عدم إنزالها، وتوجهت بحديثي إلى الكاروري وقلت له كلم الإمام وكلمه الكاروري ولكن دون فائدة.
وهنا أرد على مذكرة الفاضل الهادي التي نشرت بالصحف فيما بعد حيث ذكر أنني أنا الذي أمرت بإرجاع السلاح. وهذا غير صحيح فمن يستطيع أن يمشي كلامه على الإمام؟
في هذه اللحظة – وهذا ما كنت أخشاه – ظهر لوري محلي قديم، وشاهدنا فكان يريد التوقف، فاستعمل (البوري) كعادة السائقين على أن كنا نريد مساعدة، فقلت لسيف الدين أشر له ألا يتوقف، وتظاهرنا كأننا نشرب الماء، ولكنه رغم ذلك توقف، وقلنا له: ما عندنا عطل، وقفنا فقط لنشرب بعض الماء، ولم ألاحظ الذين كانوا معه أي بجانب السائق، ولكن هناك نساء وأطفال في صندوق اللوري. وذهب اللوري.