حمـــــلة أرحــــــــل .. بلبل واحـــــــد لا يحضــــــــر الربيع

كتب: عبد الاله عبد الله

الخبير الإعلامي فيصل محمد صالح أعلن عن استيائه من سخرية ما وصفهم بالكثر و(تريقتهم) على حملة (أرحل) وعبر عن ذلك على صفحته بشبكة التواصل الاجتماعي(الفيس بوك)، ولعل مرجع الاستياء كما قال فيصل أن الساخرين ينتمون لذات المعسكر أو من نفس الصف – على حد قوله- من حملة أرحل، والحملة لها ساخرون كثر من داخلها و خارجها ، حتى من (الفلوتر)، لينطلق التساؤل عما إذا كانت نسخة (أرحل) السودانية قادرة برغم المعوقات الذاتية في إقناع الشارع العام ليخوض تجربة مقاطعة الانتخابات في أولى امتحاناتها ابريل القادم…
الحملة و الساخرين منها، أعادوا إلى الأذهان أو الذاكرة، ضحكة جمال مبارك الشهيرة، في رده على سؤال حول إمكانية نشطاء الفيس بوك و حركة 6 أبريل في اسقاط النظام أو إمكانية جلوس النظام إليهم، وقد أكملت عضوية الحزب الوطني آنذاك الضحكة تجاوباً مع جمال، و بعد سقوط نظام مبارك احتفت ثورة 25 يناير بهذه الضحكة كثيراً. المعارضة السودانية دشنت النسخة السودانية من الحملة (أرحل) وأخذت تتلفت بحثاً عن ضحكة أو ضحكات الحزب الحاكم الساخرة لتلقمه حجر جمع الأصوات المليونية المناوئة لحملة المؤتمر الوطني الانتخابية، بيد أن ما (سودنة) التجربة، لم تسقط السياق التاريخي للتسمية بهذه التسمية وليدة التجربة المصرية إبان حكم الرئيس المخلوع محمد مرسي ، و التي أطلقتها لحركة تمرد لسحب الثقة من الرئيس و إجراء انتخابات مبكرة في أبريل من العام 2013م و في مايو أي بعد شهر أعلنت الحركة أنها قد جمعت ما يفوق ال 2 مليون و 129 ألف توقيع. و قد نشأت على غرار تمرد المصرية – و إثر نجاحها – عدد من الحركات بنفس المسمى في عدد من الدول العربية في كل من تونس و المغرب و البحرين.
وبرزت في مطلع الألفية اتجاهات للبحث عن تكتيكات جديدة في العمل السياسي أثمرت عن ما اصطلح عللى تسميته بالثورات الملونة كوسائل للمقاومة السلمية مثل ثورة الزهور في جورجيا و ثورة السوسن في غيرغيزيا و الثورة البرتقالية في أوكرانيا و الثورة القرمزية في التبت.
و الملاحظ أن حركة تمرد أو أرحل في البلدان العربية نمتفي وضع ديمقراطي نسبي و إن قابلته عقبات مثل حرق مقر الحركة إبان حملتها ، أو حتى اتهامات التخوين و استلام تمويل من الخارج. حركات المقاومة السلمية أو اللاعنف nonviolence movement و التي من أشهر مؤسسيها غاندي بالهند ، و مارتن لوثر كنج بالولايات المتحدة الأمريكية ، لم تنجح في دول تميزت بوجود عنف طاغي مثل ليبيا القذافي ومصر مبارك وسوريا الأسد بل وربما تونس بن علي التي تميزت جميعها بفترات عنف دولة منظم في بداياتها .. الشيء الذي كان يدعو الثائر مالكوم إكس – أحد دعاة أمة الإسلام في أمريكا في بداية الستينات من القرن المنصرم – للسخرية من حركة الحقوق المدنية قادة حركة اللاعنف واصفاً إياهم بعبيد المنازل الذين يعيشون في كنف السيد الأبيض يأكل مثله و يتحدث مثله، وواصفاً نفسه بالمقابل بأنه من عبيد الحقل الذي لن يضيع فرصة يمكن أن تكون فيها حريته field negro and the house negro . يحلل فلاسفة البنيوية الخطاب السياسي ويقرون أن سحره و قوته تكمن في قدرته على إخفاء منطلقاته ، و بقدر ما يستبطن الخطاب من استبعاد للحقائق ، بقدر ما يقوى بيانه و إلهامه ، و من هنا يطرح التساؤل نفسه عن الغاية السياسية وراء الصندوق الإنتخابي، فالإنتخابات المزمع إجراؤها أبريل القادم لابد لها من فكرة تقف وراءها ، لأنه بدون سند سياسي تصبح الصناديق أزلام يحتكم إليها بأرقام لا تشي بشيء و لا تقدم شرعية و لا يصدقها أحد، و ربما عد الصندوق مجرد أداة تضليلية. المؤتمر الوطني يسعده سراً أن (يتحرر) سوق الإنتخابات و التي لم تجد مناصراً من المجتمع الدولي و نشطت دوائر خارجية في مناشدة الدول و المؤسسات التي رعت انتخابات 2010 م بعدم إعطاء سند لهذه العملية. و ليس خافياً أن المؤتمر الوطني يستمد شرعيته الصامتة بدعوى أولويات الأمن و قضايا النزاعات و الإستقرار النسبي مقارنة بتداعيات الربيع العربي الماثلة التي دفعت الإستقرار ثمناً للحرية ، و تأتي الإنتخابات عقب إقرار البرلمان عدد من القرارات المثيرة للجدل حول تركيز سلطة تعيين الولاة و مهام جهاز الأمن ، و بلغت ذروة التسخين للإنتخابات اتهام د. مصطفى عثمان اسماعيل الأمين السياسي للمؤتمر الوطني لرئيس قوى الإجماع فاروق أبوعيسى و و رئيس كونفدرالية المجتمع المدني د.أمين مكي مدني بمخطط و خلايا لإفشالالإنتخابات ، و أن الإعتقال ليس سببه نداء الوطن ، مما دفع هيئة الدفاع عن أبوعيسى و مدني بالشروع في تحريك إجراءات ضد اسماعيل. على صعيد المعارضة قضت وقتاً غير قليل تعاني من المواقف الرمادية لعدد من تنظيماتها و التلويح بالدخول في العملية الإنتخابية تارة وفوضى التصريحات تارة أخرى ، وبعض المتفائلين عزا هذا النهج تكتيكاً ضرورياً للتعامل مع النظام للحفاظ على لعبة المصالح ، و يبقى التصريح الأقوى للسيد الصادق المهدي بالعودة للعمل السري ، و يدور الهمس حول قرب تدشين قناة خاصة بالمعارضة. و على جانب المشهد السياسي دخول للاعبين جدد في العملية الإنتخابية و هي الحركات المسلحة الموقعة مع النظام ، والتي منحتها المفوضية القومية للإنتخابات مساحة زمنية لعقد مؤتمراتها و تكملة التحول السياسي لخوض الإنتخابات ، و هي أيضاً تلاحقها لعنة الإنشقاقات. و إزاء هذه الأوضاع تأتي حملة إرحل ما بين ساخريها و حائريها و قامعيها والمؤمنين بها ورمزيتها ، فهل تصمد أمام من يعتقدون – من الطرفين- أن الدم ظل هو الفاعل الأوحد في مسائل الصراع على السلطة وهل تصمد أمام المثل الأوروبي الشهير بلبل واحد لا يحضر الربيع.