جبال النوبة تحتضر .. وتناشد رئيس الجمهورية

بقلم : كنده غبوش الامام

إلى أخي المشير البشير رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة لكم تحية من عند الله مباركة طيبة ، ومن جبال النوبة الأوتاد ومن أهلها الأصالة والتاريخ ، وهي تحترق وتحتضر وتناشدكم فأنقذوها.. أما بعد، عفواً أخي الرئيس نذكركم بقوله تعالى:(وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) « الغاشية ، 19»، ولذلك فإنها من آيات الله في تلك المنطقة منذ أن خلق الله الأرض ، ثم خلق الجبال لتكون أوتاداً لها ، ولا يمكن أن تكون غير ذلك وهي كما تعلمون أخي الرئيس قلعة النضال والاستقلال الوطني وقلب الأمة السودانية النابض منذ فجر التاريخ وجرحها النازف الآن بالحروبات والفساد والظلم والغبن والتهميش .. الخ ، وهي من أقدم مناطق السودان ، ويرجع تاريخها إلى ما قبل دخول العرب وغيرهم إلى بلاد النوبة في التاريخ القديم (السودان الآن) ، وقد أسماها قدماء المصريين باسم جبال النوبة ويعني بلغتهم القديمة (جبال الذهب) ، والتي صارت الآن باسم ولاية جنوب كردفان وليس العكس ، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) « فاطر ، 27 « ، كما ذكرت الجبال في القرآن الكريم 75 مرة ولم تذكر ولاية جنوب كردفان ولا مرة واحدة ، قال تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى) « النجم ، 23 «. عفواً.. أخي الرئيس عند سقوط راية استقلال السودان في معركة كرري بأمدرمان ، خاضت جبال النوبة من قلاعها الطبيعية معارك المقاومة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني ، وظلت ثائرة ولم تستسلم قرابة الثلاثين عاماً ، حيث سرت بالجبال (كهرباء) المقاومة للسلطان الغازي واستندت ثورات جبال النوبة آنذاك ضد الاستعمار الانجليزي والمصري إلى استشهاد آلاف من أبنائها وعلى رأس الإستشهاد المجيد السلطان الثائر عجبنا ، ويذكر أن جيوش الثورة المهدية كانت قد تحصنت في جبال النوبة وانطلقت منها وكتبت أكبر انتصاراتها ضد الاستعمار وأعقبت تلك الإنطلاقة إلى الخرطوم ، حيث دخلها الإمام المهدي الثائر بجيش يبلغ 120 ألف مقاتل بنسبة 85% كانوا من أبناء النوبة ، ليحرر السودان ويعلن الخرطوم عاصمة الشريعة ، ومن واقع أن حقيقة جبال النوبة كانت القاعدة العسكرية التي تحصن فيها ، وانطلق منها الإمام المهدي من تلك القاعدة النضالية الصلبة ، حيث انطلقت مقاومة النوبة للاستعمار الثنائي الإنجليزي المصري بعد سقوط الدولة المهدية وبعدها اشتعلت مناطق 99 جبال النوبة ضد الاستعمار الأجنبي الغازي ، وسحقت القوات البريطانية المصرية تلك الثورات سحقاً دامياً واستشهد الآلاف من النوبة من أجل أن يبقى السودان علماً بين الأمم ، وليس من أجل تقسيم السلطة والثروة مع الوافدين الجدد إلى المنطقة آنذاك ، ولم تتمكن الإدارة البريطانية من السيطرة على جبال النوبة بقوة السلاح بل وضعتها في تهميش تام ومحكم لمدة 31 عاماً وفقاً لقانون المناطق المقفولة الذي أصدرته الإدارة البريطانية عقاباً للثائرين بجبال النوبة وجنوب السودان وجنوب النيل الأزرق ، ولولا ثورة جبال النوبة وجنوب السودان والنيل الأزرق ما كان الاستقلال الوطني عام 1956م ، كتبت هذه الرسالة لسيادتكم أخي البشير لنذكركم أن جبال النوبة تمر الآن بأحداث دامية لم تشهد مثلها منذ الاستقلال الوطني عام 1956م أسوأ وأبشع من الذي يحدث الآن بالمنطقة ، والتي أدمعت أعيننا وقطعت قلوبنا وأوجعتها وجعاً مؤلماً وشديداً من شدة الألم ، وللأسف ما يحدث الآن بجبال النوبة هو بمثابة كارثة إنسانية لبشاعتها وسلسلة حلقات متواصلة ومنظمة للقضاء على أبناء جبال النوبة بالمنطقة وعلى إمتداد أرض الوطن، ومحاولة اشعال المنطقة واحراق أهلها حتى يصل الأمر إلى أن يقتل النوباوي أخوه النوباوي ، وهذه هي الطامة الكبرى التي لا نريد أن تصل إليها المنطقة ، والآن حرمة الدم النوباوي أصبحت مستباحة بأيدي أنفسهم ، قال تعالى: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) « البقرة ، 195 «. بل يدمرون مدنهم وقراهم وأريافهم فقط بولاية جنوب كردفان مثلما يحدث في ولايات الشام والعراق وفي اليمن ومصر وليبيا والصومال وفي كثير من الدول العربية. عفواً أخي الرئيس نكتب لكم هذه الرسالة من جبال النوبة وأنا شاهد عيان ، وأهلها محاصرين بالموت وبالدمار الشامل وفي كل مناحي الحياة ، ونكتب لكم أن جبال النوبة تبكي دماً بديلاً للدموع، نكتب لكم وسط الآهات والحسرات ، نكتب لكم بحبر دموعنا ونرسلها عبر صرخاتنا المدوية من صدورنا ونرسلها لكم رسالة تأججت مرارتها ليالي في النفوس لتصل إلى قلوبكم الرحيمة التي تعرف الله ، وعرفت كيف تحب وتصل إليها ، عفواً أخي الرئيس لن نقول لكم كل ما شاهدناه في كل يوم جديد بجبال النوبة ، بل نختصرها في بعض منها من مأساة تفتت الجبال الأوتاد وحال النساء الثكالى والأطفال اليتامى ، أدمت أحداقهم الدموع وتقطعت أكبادهم جوعاً ومرضاً وعطشاً ، والرجال لا يعرفون ماذا يفعلون بهم وإلى أين المفر ؟ وإلى أين المصير ؟ وإلى أين يذهبون ؟ ، أمامهم نيران وخلفهم نيران ويمينهم نيران وشمائلهم نيران ، وقد احترقت القرى وهدمت البيوت ودمرت المدارس والمساجد والمراكز الصحية ومصادر المياه والمزارع والأنعام ، وكل البنى التحتية بمناطق 99 جبال النوبة ، وتقطعت على أهلها السبل ولم يبق لهم إلا سبيلً واحداً وهو سبيل الرحمن تستصرخ النفوس وتستجدي عدالة السماء وعدالتكم من بعده ، لتفك عنهم حصار الحرب والألم واللوعة والموت والعذاب وظلمة الظالمين وفساد الفاسدين ، ولعل أن تشرق شمس الحرية والسلام من جديد على جبال النوبة وسهولها وتعود منارة الإسلام إلى نفوس أبناؤها المحاصرين والذين لايزالون على قيد الحياة ، ولعل الذين خرجوا من ديارهم قسراً نازحين للولايات المختلفة يعودون إليها وإلى مدنهم وقراهم التي صارت خالية منهم منذ يوم 6/6/2011م وإلى يومنا هذا ، يواجهون ظروف حياتية وإنسانية قاسية أينما وجدوا.عفواً أخي الرئيس .. لقد مللنا نحن أمة جبال النوبة الانتظار الطويل في مسرحية مفاوضات المنطقتين في أديس أبابا وممثلي للحكومة بقيادة غندور والحركة الشعبية بقيادة عرمان ، وبرعاية أمريكية وأوروبية وإفريقية وعربية وهلمجرا ، كما مللنا صور القتل الجماعي لأبناء النوبة بالمنطقة ومظاهر الدمار الشامل وانهار من الدمار من الذين يموتون بكل وسائل الحرب المتاحة هناك ، ونحن على هذا الحال ولا ندري إلى أي حال بعد حين مصيرنا ، حيث تفاجئنا أمطار من القنابل والصواريخ والمدافع الثقيلة براً وجواً ، فتبتر أطرافنا وتقتل دون رحمة أطفالنا الصغار وشبابنا أمل المستقبل وكبار السن من رجالنا والنساء والعجزة والمرضى وأصحاب العاهات المستديمة من أصابات الحرب ، ونحن ننظر إليهم وهم يصارعون الآلام ولا يجدون الإسعاف ، ثم يصارعون سكرات الموت وأعينهم معلقة بالسماء ويتوسلون إلى من حولهم ليدفعوا عنهم الموت الذي يحيط بهم من كل جانب ، ولا يجدون سوى ضعفهم وحيرتهم وقلة حيلتهم فيموتون ، قال تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) « البقرة ، 156» ، ونحن لا نملك إلا أن نقول اللهم أجعلنا من الصابرين على هذه المصائب الأليمة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم ، كل هذه المأساة أخي الرئيس تجري بجبال النوبة ضد إنسانها المسالم والأسوأ والأمر عندما عدنا من هناك شاهدنا ما يسمى بقيادات جبال النوبة العائدين من صفوف الحركة الشعبية وهم يحتفلون بعودتهم ، وهم الذين كانوا قد أشعلوا حرب الجبال بتاريخ 6/6/2011م بشهادة مولانا أحمد هارون الوالي السابق لولاية جنوب كردفان ، والأستاذ عبد الله التوم الإمام وزير الصحة الآن وأمين عام حكومة الولاية آنذاك في أيام الكتمة ، وقد سجل موقفاً شجاعاً ورائعاً وظل في كادقلي مع الوالي حتى حققت القوات المسلحة النصر المبين بطرد قوات الحركة من حول كادقلي والدلنج ، وهروب هؤلاء الذين شاهدتهم يحتفلون بعودتهم الظافرة ، وللأسف كان ذلك بالمجلس الوطني وبالقاعة الخضراء قاعة السلام ، ويرقصون على أنغام الفرق الشعبية للنوبة بالخرطوم برعاية المؤتمر الوطني أمانة اللجنة السياسية لأبناء النوبة وبدعم مادي لأمانة صندوق دعم السلام بولاية جنوب كردفان اللذان يتخذان من الخرطوم مقراً لهما ، ولا يعلمون ما يحدث لأبناء النوبة المتأثرين بحرب الجبال والنازحين على امتداد أرض الوطن والمحتجزين بالجبال واللاجئين بالدول الأجنبية.عفواً أخي الرئيس .. نحن نؤمن بقضاء الله وقدره ولكن للأسف ما يحدث من مأساة في حرب الجبال الدامية دون مناطق الآخرين بجنوب كردفان وضد النوبة ودون أبناء القبائل الأخرى بالولاية أمر مؤسف لا يصدقه العقل وغير عادل ، بل هو في تقديري مخطط من شأنه تفريغ جبال النوبة من أهلها وسكانها الأصليين واحلال الآخرين مكانهم وطمس هويتهم التاريخية وتحويلهم إلى هوية أبناء جنوب كردفان الوافدين الجدد إلى جبال النوبة ، من أجل السيطرة على مواردنا في ظهر أرضنا وباطنها.عفواً أخي الرئيس.. تناشدكم جبال النوبة وهي تحتضر فأنقذوها يرحمكم الله لكي تعود لأجواء السلام والوحدة الوطنية والاستقرار ، بدون اتفاقية ثنائية بين غندور وعرمان وبرعاية أجنبية ونحن أهل جبال النوبة الأصالة والتاريخ مسلمين وغير مسلمين يشهد الله لن نركع لغير الله مهما كانت التضحيات ، فأجدادنا فجروا الثورات المختلفة ضد الاستعمار الأجنبي ، وصبروا على حروباتهم الدامية بالمنطقة ، ومن ثم عقوباتهم بموجب قوانين المناطق المقفولة بجبال النوبة لمدة 31 عاماً ، ونحن أحفادهم صابرين على حرب الجبال منذ 6/6/2011م وحتى الآن ومهما طال أمدها لن نستسلم ، وآخر دعوانا اللهم هذا حالنا لا يخفى عليك الله أجعل ثأرنا على من ظلمنا على من عادانا ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا. ختاماً.. قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) « آل عمران ، 173». اللهم إني قد بلغت.. اللهم فأشهد .. وأنت خير الشاهدين ..
والله من وراء القصد.