(الكنكشـــــة) مــن الصــف الأول أحدثت فراغــــاً فـــي الكاريزمـــات

كتب : مبارك ود السما

الحراك السياسي ومنذ (59) عاماً والى الآن, أفرز العديد من الشخصيات القيادية المعروفة، التي باتت تعمل الى اليوم دون كلل أو ملل, قاطعة الطريق أمام أي شخصية أخرى يمكن أن تلعب دور الريادة في العمل السياسي للحزب أو على نطاق السياسة بشكلها الكبير. ليتسلل سؤل يفرض نفسه, هل أصيبت حواء السودان بالعقم فتوقف سيل الكاريزمات وأبطال المشهد بخلاف الموجودين؟ وهل تلاشت الكاريزمات البديلة في العمل السياسي لكافة الأحزاب السياسية بكافة ألوانها ومشاربها من أقصى اليسار الى أقصي اليمين. لتتوقف ماكينة إنتاج الشخصيات الكاريزمية التي تتمتع بروح القيادة ويفضل الجميع شخصيات عملت لسنوات طوال دون بزوغ شمس شخصيات جديدة.
نضوب التجديد في شخصيات العمل السياسي وضعته (ألوان) في طاولة تشريح أمام الأخصائيين السياسيين, ألوان فتحت الملف للتحقيق حول غياب الشخصيات التي تتمتع بالكاريزما..

العلم يقول:
وعلمياً الكاريزما وصف يطلق على الجاذبية الكبيرة والحضور الطاغي الذي يتمتع به بعض الأشخاص بالإضافة إلى القدرة على التأثير على الآخرين إيجابيا بالارتباط بهم جسديا وعاطفيا وثقافيا، اى سلطة فوق العادة، وشخصية تثير الولاء والحماس. والكلمة ترجع لأصل يوناني وتعني الهدية أو التفضيل الإلهي. وعلى الرغم من صعوبة إيجاد تعريف دقيق لهذه الكلمة، إلا انه يمكن ربطها بشخصية معينة، والقول إن الشخصية الكاريزمية هي التي لها قدرات غير طبيعية في القيادة والإقناع واسر الآخرين، كما أنها تمتاز بالقدرة على الهام الآخرين عند الاتصال بهم، وجذب انتباههم بشكل أكثر من المعتاد.
تفنيد ورؤى:
ليفند القيادي بحزب الأمة القومي عبد الرسول النور ما أدى الي غياب الشخصيات الكاريزمية، والمبررات التي قادت الى غياب القادة القادرين على سلب إرادة الآخرين إقناعا، وقال لـ(ألوان)أمس: لابد من الوقوف عند كلمة كاريزما التي تعني الجاذبية وهي موهبة مرتبطة بالأشخاص، الذين لديهم شعبية واسمهم يكوناً لامعاً في الأوساط السياسية أو خلاف ذلك. وتأتي الجاذبية في العادة من المولى سبحانه وتعالي ولا تورث ولا يستطيع شخصاً أن يحصل عليها بالاجتهاد. والكاريزما يمكن أن تجدها لدى الأشخاص العاديين، ويمكن معرفة ذلك بميل القلوب نحوها, وحتى التي تنفر من الشخصية تجدها تحترمه.
أما المعضلة الرئيسية في تدفق ينابيع الكاريزمات لدى الأشخاص يمكن إرجاعه الى أن الشعب السوداني، وحده من دون الشعوب، يعتبر أن الشخص المنتخب أو المعين يكون كذلك مدى الحياة, وتوجد اسر كثيرة تولت هذا الأمر في كل جوانب الحياة.
في الجانب السياسي نجد أن الشخص الذي يتولى المسئولية والقيادة يفضل موجوداً ويحاول تمكين زعامته, وبالتالي الشخصيات التي تبرز تكون مثل نباتات الظل, ونجد الاهتمام يكون مركز في شخصية واحدة, فالإعلام نفسه لا يصنع شخصيات, مثلاً: إذا حدث حدثاً في مكان ما، فبدلاً عن أن توضع صورة الشخص الذي صنع الحدث توضع صورة الشخص المسئول عنه.
الإعلام يتورط:
إلا أن النور يضع اللائمة على الأعلام, وقال أنه يلعب دور ترسيخ وتلميع الشخصيات الرئيسية وليس الدونية, والإعلام نفسه لا يستطيع أن يخلق كاريزما لدى الأشخاص. وان الإعلام نفسه جزء من عقلية المجتمع السوداني الذي يحب أن يتعامل مع الشخص الكبير ولا يحب التعامل مع الأشخاص الصغار. في العهود الشمولية نجد أن إي شخص يحاول يربط المهمة المسئول عنها بتوجيه رئيسه، فمثلاً: وزير افتتح مدرسة ثانوية يقول للحضور تم إنشاء المدرسة بتوجيه من الرئيس، مع انه تم تعيينه من الرئيس, فلا ينبغي أن يذكر توجيه الرئيس في كل عمل يقوم به، هذا المثال يدل على أن الأعلام مع الشخصية الأولى, في تقديري الأعلام مرآة تعكس (الكويس والبطال) ولا تقع على عاتقه مسئولية ما يعكس, سواء كانت الحقيقة مرة ليس مسئوليته تحليه الحقيقة. ويقول النور: تعودنا وجود الشخصية الأولى في الصفحة الأولى، وأي شخصية دون ذلك مكانها الصفحات الداخلية, لكن كاريزما الأشخاص تظهر عقب فقدان الوظيفة, إذا استمر في الألق وظهوره يعتبر شخص له كاريزما, وإذا توارى عن الأنظار يعتبر شخصية لا تملك صفة الكاريزما.
الضباب يحجب:
ويؤكد النور أن حواء السودان لم تعقم بعد, وقال: فقط يوجد ضباب يحجب وجود الشخصيات, لا سيما وان الناس اعتادوا على وجود أشخاص محددين على السطح, ويتابع: بالعودة الإعلام نجده شريكاً في العملية الضبابية لأنه يعتقد أن الأشخاص الكبيرة هي التي تصنع الأحداث, حواء ولود إلا أن الظرف العام يحجب قيمة ما تلد, في السابق الجميع يعرف ابرز الأشخاص, كمبارك زروق الذي تقلد العمل كوزير (خارجية, التجارة) في فترة لا تتعدى العامين, وكذلك يحيى الفضلي, تعتبر شخصيات كاريزمية. وبالمقابل شخصيات تعمل في وزارات لعقود وعند نزولهم عن العمل لا يعرفون في الشارع العام. وهنا يفرق بين الزعيم والأفندي, فالناس اعتادوا على تمجيد الماضي.
إذا ثمة شخصيات كاريزمية لها جاذبية، وحواء السودان ولدت العديد من الشخصيات في كافة المجالات، وعلي الإعلام أن يفسح لها المجال لتظهر في العلن.
عجائز السياسة:
القيادي بحزب البعث محمد ضياء الدين قال لـ(ألوان) أمس: الكاريزما لها أثرها في العمل السياسي بشكل عام, وبالتحديد في المجتمعات الأقل تقدماً, وواصل: هذا لا يعني وجود كاريزمات وطنية في كافة المجالات, لكن في السياسة على وجه التحديد أن طبيعة التداول في السلطة منذ الاستقلال حتى الآن الفترات الديمقراطية لا تتجاوز العقد الواحد مقابل ستة عقود من حكم الدكتاتوريات. ويرى أن أهم الأسباب التي جعلت الشخصيات الوطنية البارزة تكمن في الشخصيات المرتبطة مرحلة تأسيس الدولة السودانية ما بعد الاستقلال. ويضيف بالقول: بمعني أنهم أصبحوا (عجائز) السياسة. بشكل عام أصبح في العالم دور الشخص يكون في الإطار المؤسسي. والمؤسسة دورها في إطار البرنامج, وبالتالي الأشخاص علي الرغم من تأثيرهم أصبح العمل المؤسسي المشترك القائم علي أسس الجماعية هو الأهم من القدرات الذاتية للأفراد, مما يساهم في تحجيم القدرات الخاصة بالأفراد لصالح الجماعة.
بطء الانتقال:
بينما ينفي المحلل السياسي د.عمر عبد العزيز، وجود عقم لدى حواء السودان، وقال لـ(ألوان)أمس: ما يعيب ظهور الشخصيات التي تحمل صفة الكاريزما الانتقال البطئ للأجيال. وان شخصيات الصف الأول عندما تمسك زمام الأمور لا تعطي فرصة لآخرين. ويقول: كيف تعرف مقدرات الشخصية من غير أن تعمل, وفي حالة عدم إعطاء مسئولية للآخرين، لا يمكن اكتشاف شخصيات ذات كاريزما. المركزية الأكثر من اللازم في يد قيادة واحدة والوظائف في يد عدد محدود من الناس وعدم انتقالها للأجيال الجديدة يخلق إحساسا بغياب الشخصيات الكاريزمية. وتابع: قطعاً الشخصيات موجودة وحواء لم يعقم رحمها بعد. فهم وقدرات الأجيال الجديدة قد تكون أفضل من الأجيال السابقة، إلا أن (الكنكشة) من قيادات الصف الأول هي التي أحدثت فراغاً, وتعتبر ملكة سلوكية ينتجها عدم الإفساح للآخرين, كل الأحزاب تجتمع حول هذه النقطة التي لا تسمح بظهور قيادات الصف الثاني.
ويوضح عمر النظريات التي ترتبط بالقيادة والشخصية, توجد بعض من الشخصيات تظهر تاريخياً ويتم صنعها كالصادق المهدي, هو نجل زعيم ينتمي الي عائلة تعتبر زعيمة في السودان, وأبناءهم قد يكونوا نواب دائرة, أو يسمح لهم بالمشاركة في الحكم كوزير, وفي شخصيات تصنعها الأحداث, مثل الترابي جاءت أكتوبر، وحينها كان عميداً لكلية القانون وحينها خطب في الناس, وفي ذاك الوقت الناس يحتاجون لقيادة فوجدت في شخصيته الجرأة, اخذ الفرصة وكانت نقطة انطلاقة للأمام, في شخصيات اقرب للتنكوقراط, ويفرض نفسه باداءه, كقادة الجيش يفرض نفسه بالترقي العالي ويكون بارعاً في العمليات وشجاعا، بالإضافة الى الصناعة التاريخية قد لا تأتي بأشخاص لديهم الكفاءة, أما صناعة الشخصية التي تصنعها الأحداث وبمر التاريخ تظهر الشخصية ومن ثم تختفي وهي ليست الطريقة المؤسسية المثلى, ويرى عمر أن الطريقة المؤسسية المثلي هي أن تنقل الأجيال وتعطي المسئوليات لمن هم تحت. ولكن عندما تقفل منافذ التصعيد (ويكنكش) من هم علي سدة القيادة لن تبرز شخصيات كاريزمية.
هم القائد:
وإذا أريد ظهور شخصيات لها كاريزما، يجب التخلي من التمسك بالقيادة, وإذا فشل شخص أو اثنين من الصف الثاني لا يعني فشلهم جميعاً, قطعاً يوجد بينهم شخص ناجح جداً. ومن صفات القائد الناجح كيف يخرج كوادر ناجحة إكراما للأجيال القادمة.
لان القائد الناجح ليس من يستمر في القيادة الى وفاته, بل يكون همه صناعة نماذج وقيادات تأتي من خلفه ويكون قدوه في أن يقوم القيادات في صنع قيادات لها كاريزما.
النظم الشمولية:
بدا أستاذ العلوم السياسية د. صلاح الدومة حديثه لـ(ألوان) متسائلاً, كيف تظهر شخصيات لها كاريزما في ظل النظم الشمولية, وقال أن القيادات تبرز وتكون في حالة ظهور مستمر في ظل النظم الديمقراطية, وتختفي شموس الكاريزما في النظم الشمولية, التي تتعمد إخفاء القيادات المتميز. وأضاف بالقول: توجد عوامل كثيرة تلعب في بروز الكاريزميات, أهمها الديمقراطية, وفي ظل غياب هذا العامل ينضب إناء القيادات. متابعاً: في الأنظمة الشمولية يظهر القائد الملهم, في النظام الشمولي تحدث غيبوبة للمجتمع، . وقال إذا أردنا إيجاد شخصيات بديلة يجب إشاعة الديمقراطية التي تفرخ بلا معاناة شخصيات لها كاريزما, لان الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية تفرز قيادات. ولا يمكن في ظل تغيب مبادئ الحرية والديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة البحث عن شخصيات قيادية ذات شخصية كاريزمية. ويضيف بالقول: حواء في كل المجتمعات في العالم بخير, بما فيهم حواء السودان التي تعتبر ولود، ووضعت قيادات وشخصيات يمكن تقود السودان, إذا اتحيت لها حرية العمل والحركة السياسية دون تقييد. فداء بروز الشخصيات يكمن في التعتيم علي الحرية وعدم إفساح المجال للآخرين.